الجيش الأمريكي يجهز نفسه لسيناريو الكارثة النووية والكيميائية.. عقد جديد لطائرات مسيّرة تدخل مناطق الموت بدل الجنود

وفقًا لتقرير نشره موقع Army Recognition المتخصص في الشؤون العسكرية والدفاعية، منحت وزارة الجيش الأمريكي شركة Teledyne FLIR Defense عقدًا بقيمة 11.2 مليون دولار لتطوير وتسليم أكثر من 45 طقمًا متطورًا من الطائرات المسيّرة القادرة على دخول مناطق التلوث الكيميائي والبيولوجي والإشعاعي والنووي، ورصد الأخطار في الوقت الفعلي دون تعريض الجنود لأي مخاطر مباشرة.
وتأتي هذه الخطوة في إطار توجه متسارع داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية لتوظيف الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة في أكثر المهام خطورة داخل ساحات القتال الحديثة، خاصة مع تصاعد المخاوف من استخدام أسلحة الدمار الشامل أو وقوع حوادث صناعية وإشعاعية خلال النزاعات المسلحة. ويعكس العقد الجديد إدراكًا متزايدًا لدى البنتاغون بأن حروب المستقبل لن تقتصر على المواجهات التقليدية، بل ستشمل بيئات معقدة ومليئة بالملوثات والتهديدات غير المرئية التي قد تحصد أرواح الجنود خلال دقائق معدودة.

طائرات تدخل مناطق القتل بدلًا من الجنود
يرتكز المشروع الجديد على طائرة R80D SkyRaider متعددة المراوح، وهي منصة جوية غير مأهولة سبق أن استخدمها الجيش الأمريكي في مهام الاستطلاع وتحديد الأهداف. لكن النسخة الجديدة تم تطويرها خصيصًا للتعامل مع بيئات ملوثة بالمواد الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية.
وستتمكن هذه الطائرات من التحليق داخل المناطق الخطرة وجمع البيانات وتحليلها وإرسالها فورًا إلى القوات الميدانية. وبدلًا من إرسال فرق استطلاع ترتدي بدلات الوقاية الثقيلة إلى مناطق قد تحتوي على غازات أعصاب أو مواد مشعة، ستقوم الطائرات بتنفيذ المهمة بالكامل من دون تعريض أي عنصر بشري للخطر المباشر.
تقنيات استشعار متقدمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي
لا يقتصر دور الطائرات الجديدة على التصوير أو الاستطلاع التقليدي، بل تحمل مجموعة متطورة من أجهزة الاستشعار القادرة على اكتشاف العوامل البيولوجية والكيميائية والإشعاعية وتحديد مستويات التلوث وانتشاره.
ويعتمد النظام على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي مع أنظمة الاتصالات والاستشعار المتقدمة، ما يسمح للطائرة بتنفيذ عمليات بحث شبه ذاتية داخل مناطق التهديد. كما تستطيع رسم خرائط دقيقة لمناطق الخطر وإرسالها إلى مراكز القيادة في الوقت الحقيقي، الأمر الذي يمنح القادة العسكريين صورة واضحة للوضع الميداني خلال دقائق.
مواجهة أخطر سيناريوهات الحروب الحديثة
تمثل مهام الاستطلاع داخل المناطق الملوثة كيميائيًا أو إشعاعيًا واحدة من أخطر المهام العسكرية على الإطلاق. ففي حال استخدام أسلحة كيميائية مثل غازات الأعصاب أو وقوع انفجار إشعاعي، يصبح تحديد نطاق التلوث ومستوى الخطر ضرورة عاجلة قبل اتخاذ أي قرار عملياتي.
وفي السابق كانت هذه المهام تتطلب دخول فرق متخصصة إلى قلب منطقة التلوث لجمع العينات والقياسات، وهو ما كان يعرضهم لخطر الإصابة أو الوفاة رغم استخدام معدات الحماية. أما الآن، فإن الطائرات المسيّرة تستطيع تنفيذ هذه المهمة بالكامل عن بعد، ما يقلل الخسائر البشرية ويرفع سرعة الاستجابة العسكرية بشكل كبير.
قدرات تتجاوز ساحات المعارك
ورغم أن المشروع صُمم بالأساس لخدمة القوات المسلحة الأمريكية، فإن تطبيقاته لا تقتصر على الحروب فقط. إذ يمكن استخدام هذه الأنظمة في مواجهة الحوادث الصناعية الكبرى، وتسرب المواد السامة، والكوارث النووية، وحتى الهجمات الإرهابية التي تستخدم مواد كيميائية أو إشعاعية.
كما أن الطبيعة المعيارية للطائرة تسمح بتبديل أجهزة الاستشعار وفق طبيعة المهمة، ما يمنحها مرونة كبيرة في التعامل مع طيف واسع من التهديدات المختلفة دون الحاجة إلى تطوير منصة جديدة لكل سيناريو.
استراتيجية أمريكية لبناء شبكة استطلاع متعددة الطبقات
يأتي العقد الجديد ضمن برنامج أوسع لتحديث قدرات الاستطلاع الكيميائي والبيولوجي والإشعاعي للجيش الأمريكي. وكانت شركة Teledyne FLIR قد حصلت سابقًا على عقد بقيمة 74.2 مليون دولار لتطوير أنظمة الاستشعار الخاصة بمركبات الاستطلاع النووي والبيولوجي والكيميائي التابعة للجيش.
ويشير ذلك إلى أن واشنطن تتبنى استراتيجية تعتمد على طبقات متعددة من وسائل الرصد والكشف، تبدأ من المركبات المتخصصة الثقيلة وتصل إلى الطائرات المسيّرة الصغيرة التي يمكن نشرها مباشرة مع وحدات المشاة في الخطوط الأمامية، ما يمنح القوات الأمريكية قدرة أكبر على اكتشاف الأخطار والتعامل معها بسرعة وكفاءة.
ماذا يعني هذا التطور؟
يعكس هذا العقد تحولًا عميقًا في العقيدة العسكرية الأمريكية نحو تقليل الاعتماد على العنصر البشري في البيئات شديدة الخطورة، واستبداله بأنظمة ذكية قادرة على اتخاذ القرارات الأولية وتنفيذ المهام المعقدة ذاتيًا.
كما يؤكد أن التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية لا تزال تحتل موقعًا متقدمًا في حسابات البنتاغون رغم التركيز العالمي على الحروب التقليدية والطائرات المسيّرة الهجومية. ومن المرجح أن نشهد خلال السنوات المقبلة انتشارًا أوسع لهذه الأنظمة داخل جيوش حلف الناتو وحلفاء الولايات المتحدة، خاصة مع تزايد المخاوف من أسلحة الدمار الشامل والحروب الهجينة.
أما السيناريو الأكثر ترجيحًا فهو تسارع سباق تطوير أنظمة الاستطلاع الذكية غير المأهولة، بحيث تصبح الطائرات المسيّرة خط الدفاع الأول في التعامل مع أي تهديد كيميائي أو بيولوجي أو إشعاعي قبل دخول القوات البشرية إلى مسرح العمليات.



