أزمة تضرب صناعة السيارات الأوروبية.. شركات كبرى تضغط لتأجيل رسوم بريكست على السيارات الكهربائية مجددًا

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، تواجه صناعة السيارات في أوروبا والمملكة المتحدة تحديًا جديدًا قد يهدد مستقبل السيارات الكهربائية في القارة، بعدما دعت كبرى الشركات المصنعة والمجموعات الصناعية المفوضية الأوروبية إلى تأجيل تطبيق الرسوم الجمركية المرتبطة باتفاق “بريكست” للمرة الثانية، محذرة من أن القطاع لا يزال غير قادر على تلبية شروط التصنيع المحلية المطلوبة للإعفاء من الرسوم.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تسعى فيه الحكومات الأوروبية إلى تسريع التحول نحو المركبات الكهربائية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، إلا أن ضعف سلاسل توريد البطاريات داخل أوروبا واستمرار الهيمنة الصينية على المواد الخام الحيوية يضعان الصناعة أمام معادلة صعبة. فبينما تريد بروكسل تعزيز التصنيع المحلي، تخشى الشركات أن يؤدي فرض الرسوم إلى رفع الأسعار وتقويض تنافسية السيارات الأوروبية في سوق يشهد منافسة عالمية شرسة.

قواعد بريكست تضع الصناعة أمام اختبار صعب
بموجب اتفاق التجارة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة الذي دخل حيز التنفيذ بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يجب أن تستوفي السيارات الكهربائية نسبًا محددة من المكونات المصنعة محليًا حتى تتمكن من الانتقال بين الأسواق الأوروبية والبريطانية دون رسوم جمركية.
وكان الهدف من هذه القواعد تشجيع الاستثمارات في مصانع البطاريات الأوروبية وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب، لكن الواقع جاء مختلفًا عما كان مخططًا له. فبعد سنوات من الاتفاق، لا تزال شركات السيارات تعتمد بدرجة كبيرة على البطاريات والمكونات القادمة من آسيا، وخاصة الصين، ما يجعل تحقيق النسب المطلوبة أمرًا بالغ الصعوبة.
صناعة البطاريات الأوروبية لم تحقق الأهداف المأمولة
عندما تم وضع قواعد المنشأ الخاصة بالسيارات الكهربائية، كانت التوقعات تشير إلى نمو سريع لصناعة البطاريات داخل أوروبا. إلا أن جائحة كورونا ثم الحرب في أوكرانيا وأزمات سلاسل الإمداد العالمية أدت إلى تعطيل الكثير من الخطط الاستثمارية.
وتشير تقديرات القطاع إلى أن نسبة البطاريات المصنعة داخل الاتحاد الأوروبي بحلول مطلع عام 2027 ستكون أقل بكثير من المستهدفات الأصلية. فبدلًا من تحقيق مستويات تصنيع محلية مرتفعة، لا تزال أوروبا تواجه فجوة كبيرة في الإنتاج، ما يهدد آلاف السيارات الكهربائية برسوم جمركية إضافية عند انتقالها بين السوقين الأوروبي والبريطاني.
الصين ما زالت اللاعب الأقوى
تكشف الأزمة الحالية حجم النفوذ الذي تمتلكه الصين داخل قطاع البطاريات العالمي. فبكين تسيطر على جزء كبير من سلاسل توريد المعادن الأساسية المستخدمة في تصنيع البطاريات، بما في ذلك الليثيوم والمواد الكيميائية المكررة اللازمة لإنتاج الخلايا الكهربائية.
ولا يقتصر التحدي على توفر المواد الخام فقط، بل يمتد إلى تكلفة التصنيع أيضًا. فإنتاج البطاريات في أوروبا لا يزال أعلى تكلفة بشكل ملحوظ مقارنة بالصين، وهو ما يجعل الشركات الأوروبية في وضع تنافسي أصعب أمام الشركات الآسيوية التي تستفيد من بنية صناعية متكاملة ودعم حكومي واسع.
مخاوف من ارتفاع الأسعار وتراجع المبيعات
تحذر شركات السيارات من أن فرض الرسوم الجمركية وفق الجدول الحالي قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا للأهداف البيئية الأوروبية. فبدلًا من تشجيع المستهلكين على شراء السيارات الكهربائية، قد تتسبب الرسوم في زيادة الأسعار وتقليل جاذبية هذه المركبات.
وترى الشركات أن المستهلك الأوروبي يواجه بالفعل ضغوطًا اقتصادية مرتبطة بالتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، وبالتالي فإن أي زيادة إضافية في أسعار السيارات الكهربائية قد تدفع الكثيرين إلى تأجيل قرارات الشراء أو العودة إلى السيارات التقليدية الأقل تكلفة.
منافسة صينية متزايدة تضغط على أوروبا
تأتي هذه الأزمة في وقت تشهد فيه الأسواق الأوروبية تدفقًا متزايدًا للسيارات الكهربائية الصينية التي أصبحت أكثر تنافسية من حيث السعر والتكنولوجيا. ويخشى المصنعون الأوروبيون من أن تؤدي الرسوم المرتبطة بقواعد المنشأ إلى إضعاف الشركات المحلية أكثر، في الوقت الذي تواصل فيه الشركات الصينية توسيع حصتها السوقية داخل القارة.
كما تتزايد المخاوف من أن تتحول أوروبا إلى سوق استهلاكية للمنتجات الأجنبية بدلًا من أن تصبح مركزًا صناعيًا عالميًا لصناعة السيارات الكهربائية، وهو السيناريو الذي تحاول بروكسل تجنبه عبر برامج الدعم والاستثمار الحالية.
ماذا يعني هذا التطور؟
تكشف مطالب شركات السيارات عن فجوة واضحة بين الطموحات السياسية والواقع الصناعي في أوروبا. فبينما تسعى الحكومات إلى بناء منظومة تصنيع مستقلة للبطاريات والسيارات الكهربائية، لا تزال البنية الإنتاجية غير جاهزة لتحقيق هذه الأهداف بالسرعة المطلوبة.
ومن المرجح أن تشهد الأشهر المقبلة مفاوضات مكثفة بين بروكسل ولندن لإيجاد حل وسط يمنع فرض رسوم قد تضر بالقطاع. وإذا تم تأجيل القواعد مرة أخرى، فسيمنح ذلك الصناعة مزيدًا من الوقت لبناء سلاسل توريد محلية. أما إذا دخلت الرسوم حيز التنفيذ مطلع 2027، فقد تواجه شركات السيارات الأوروبية والبريطانية تحديات كبيرة تتعلق بالتكاليف والأسعار والمنافسة العالمية، خصوصًا في مواجهة الصعود السريع للمصنعين الصينيين.



