البنتاجون يسعى لكسر أكبر عقبة في الحروب الحديثة.. DARPA تطور تقنية تجعل جميع الأنظمة العسكرية تتحدث لغة واحدة

وفقًا لتقرير نشره موقع Army Recognition، كشفت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة الأمريكية (DARPA) عن مشروع طموح قد يغير مستقبل الاتصالات العسكرية بالكامل، يتمثل في تطوير نظام عالمي موحد للترميز وفك الترميز قادر على جعل جميع أجهزة الاتصال العسكرية تتواصل مع بعضها البعض مهما اختلفت أنظمتها أو معاييرها التقنية.
ويحمل البرنامج الجديد اسم Lightweight Universal Codec أو LUC، ويهدف إلى القضاء على واحدة من أكثر المشكلات تعقيدًا التي تواجه الجيوش الحديثة، وهي عدم توافق أنظمة الاتصالات المستخدمة بين القوات البرية والجوية والبحرية وحتى بين الجيوش الحليفة. وإذا نجح المشروع، فقد يصبح بإمكان أي جهاز راديو أو شبكة بيانات أو وصلة أقمار صناعية العمل بسلاسة مع أي نظام آخر دون الحاجة إلى تجهيزات وسيطة أو عمليات ترجمة معقدة، وهو ما قد يمنح القوات الأمريكية وحلفاءها تفوقًا كبيرًا في ساحات القتال المستقبلية.

مشكلة قديمة تهدد فعالية الجيوش الحديثة
رغم التطور الهائل في التكنولوجيا العسكرية، لا تزال القوات المسلحة حول العالم تعتمد على أنظمة اتصالات مختلفة تم تطويرها عبر عقود طويلة من الزمن. فكل فرع عسكري غالبًا ما يستخدم معايير خاصة به، كما تمتلك الدول الحليفة أنظمة مستقلة لا تتوافق دائمًا مع بعضها البعض.
هذه الفجوة التقنية تخلق تحديات كبيرة أثناء العمليات المشتركة، حيث تحتاج القوات إلى استخدام معدات إضافية وبرمجيات وسيطة لترجمة البيانات بين الشبكات المختلفة. وفي البيئات القتالية التي تتعرض للتشويش الإلكتروني أو الهجمات السيبرانية، قد يؤدي أي تأخير أو خلل في نقل المعلومات إلى خسائر ميدانية خطيرة أو فقدان السيطرة على مجريات المعركة.
تقنية GRAND.. السر وراء المشروع الجديد
يعتمد مشروع LUC على اختراق علمي مهم يعرف باسم Guessing Random Additive Noise Decoding أو GRAND، وهي تقنية طُورت في Massachusetts Institute of Technology وتختلف جذريًا عن أساليب فك التشفير التقليدية.
فبدلًا من تصميم جهاز فك ترميز مخصص لكل معيار اتصالات على حدة، تعتمد التقنية الجديدة على تحليل الضوضاء والتشويش الذي أصاب الإشارة أثناء انتقالها، ثم إعادة بناء البيانات الأصلية بغض النظر عن نوع بروتوكول التصحيح المستخدم. ويشبه الأمر مترجمًا عالميًا قادرًا على فهم جميع اللغات دون الحاجة إلى تعلم كل لغة بشكل منفصل.
اتصالات ذكية تتكيف مع المعركة لحظة بلحظة
لا يقتصر المشروع على فك الترميز فقط، بل يشمل أيضًا تطوير نظام ترميز ذكي قادر على اختيار أفضل طريقة لإرسال البيانات بشكل تلقائي وفقًا لظروف المعركة.
فإذا تعرضت القوات لتشويش إلكتروني أو تغيرت طبيعة البيئة اللاسلكية، سيتمكن النظام من تعديل أسلوب الإرسال في الوقت الحقيقي لضمان استمرار الاتصال بأعلى كفاءة ممكنة. هذه القدرة التكيفية تمنح القوات مرونة غير مسبوقة في البيئات القتالية المعقدة التي تشهد تغيرات مستمرة في التهديدات ومستويات التشويش.
ميزة حاسمة للطائرات المسيّرة والجنود
أحد أبرز أهداف البرنامج هو تقليل استهلاك الطاقة أثناء عمليات الاتصال. فالأجهزة الحالية تحتاج إلى قدرات معالجة كبيرة لفك تشفير البيانات وتصحيح الأخطاء، وهو ما يستهلك البطاريات بسرعة.
أما التقنية الجديدة فتعد بتحقيق معدلات قياسية من الكفاءة في استهلاك الطاقة، ما يعني زيادة عمر البطاريات وتقليل حجم المعدات وتحسين أداء الطائرات المسيّرة والأنظمة المحمولة التي تعتمد بشكل كامل على مصادر طاقة محدودة. وفي الحروب الحديثة، قد تتحول هذه الميزة التقنية إلى عامل حاسم في بقاء الأنظمة العاملة لفترات أطول داخل مناطق القتال.
انعكاسات واسعة على مستقبل الحروب الإلكترونية
إذا نجح برنامج LUC في تحقيق أهدافه، فقد يشكل تحولًا جذريًا في مفهوم الشبكات العسكرية. فبدلًا من وجود عشرات الأنظمة المنفصلة، يمكن إنشاء بيئة اتصالات موحدة تسمح بتبادل البيانات بين جميع الوحدات القتالية بسهولة وسرعة.
كما قد ينعكس المشروع على القطاع المدني أيضًا، خاصة في مجالات الاتصالات الفضائية وشبكات الجيل القادم وأنظمة الإنترنت الصناعية، حيث يمكن الاستفادة من التكنولوجيا نفسها لتحسين كفاءة الشبكات التجارية وخفض تكاليف التشغيل.
ماذا يعني هذا التطور؟
يمثل مشروع DARPA الجديد أكثر من مجرد تحديث تقني لأنظمة الاتصالات العسكرية؛ فهو محاولة لإعادة تعريف مفهوم القيادة والسيطرة في الحروب المستقبلية. فالجيوش التي تستطيع نقل المعلومات بسرعة وأمان بين جميع منصاتها تمتلك أفضلية استراتيجية هائلة على خصومها.
ومن المتوقع أن تشهد السنوات المقبلة سباقًا عالميًا لتطوير تقنيات مماثلة، خاصة مع تصاعد أهمية الحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة. وإذا أثبتت تقنية LUC فعاليتها ميدانيًا، فقد تصبح أحد أهم الابتكارات العسكرية الأمريكية خلال العقد المقبل، وربما تمهد الطريق لعصر جديد من الشبكات القتالية الموحدة.



