زلزال داخل القاعدة الإنجيلية في أمريكا.. هل يتخلى داعمو ترامب عن التحالف المقدس؟

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤشرات متزايدة على تراجع الدعم داخل واحدة من أهم ركائز قاعدته السياسية، وهي الطائفة الإنجيلية المحافظة، وسط جدل متصاعد حول مدى توافق سياساته وخطابه مع القيم المسيحية التقليدية. ويشير التقرير إلى أن هذا التراجع لا يعني انهيارًا كاملًا للتحالف بين الجمهوريين والإنجيليين، لكنه يكشف عن تصدعات عميقة بدأت تظهر داخل الكنائس الكبرى في ولايات حاسمة مثل كانساس وميسوري.
ويأتي هذا الجدل في وقت حساس للغاية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، حيث يعتمد الحزب الجمهوري بشكل كبير على أصوات المسيحيين المحافظين للحفاظ على توازنه داخل الكونغرس. إلا أن أصواتًا دينية بارزة بدأت تعبر علنًا عن قلقها من سياسات ترامب، خصوصًا ما يتعلق بالهجرة، والخطاب السياسي الحاد، واستخدام اللغة الدينية في تبرير مواقف سياسية مثيرة للجدل. وبينما لا يزال جزء كبير من الإنجيليين متمسكًا بالرئيس، فإن نقاشًا غير مسبوق يدور داخل الكنائس حول حدود هذا الدعم.

قاعدة إنجيلية منقسمة بين الإيمان والسياسة
تُعد الطائفة الإنجيلية المحافظة أحد أهم أعمدة الدعم التقليدي للحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، وقد بلغت ذروة تأثيرها خلال ولاية ترامب الأولى، حين حشدت نسبة كبيرة من الناخبين البيض الإنجيليين خلفه. إلا أن الوضع اليوم يبدو أكثر تعقيدًا، إذ تشير شهادات قادة دينيين إلى وجود انقسام داخل بعض الكنائس بين مؤيدين يعتبرون ترامب مدافعًا عن القيم المحافظة، ومعارضين يرون أن سلوكه السياسي لا يتماشى مع التعاليم المسيحية.
هذا الانقسام لا يقتصر على النخب الدينية، بل يمتد إلى القواعد الشعبية داخل الكنائس، حيث يتزايد عدد المصلين الذين يعبرون عن قلقهم من خطاب الكراهية والاستقطاب السياسي. ويؤكد بعض القساوسة أن النقاشات داخل الكنائس لم تعد دينية فقط، بل أصبحت سياسية بامتياز، وهو ما يعكس تحولًا لافتًا في دور المؤسسات الدينية داخل المجتمع الأمريكي.
بين دعم السياسات والرفض الأخلاقي
على الرغم من الانتقادات المتزايدة، لا يزال العديد من القادة الإنجيليين يؤكدون استمرار دعمهم لترامب على أساس السياسات لا الشخصية. فهم يرون أن قراراته خلال فتراته الرئاسية، خصوصًا تعيين قضاة محافظين في المحكمة العليا وإلغاء حماية دستورية للإجهاض، تمثل انتصارات لقيمهم المحافظة.
لكن في المقابل، يرى معارضون داخل نفس التيار أن التركيز على النتائج السياسية فقط يتجاهل البعد الأخلاقي والديني في القيادة. ويعتبر هؤلاء أن الخطاب السياسي المتشدد، وسياسات الهجرة الصارمة، واستخدام الرموز الدينية في المجال السياسي، كلها عوامل تضعف المصداقية الأخلاقية للدعم الكنسي التقليدي لترامب.
المسيحية والقومية.. جدل الهوية الأمريكية
أحد أكثر الجوانب حساسية في هذا النقاش يتمثل في ما يعرف بـالمسيحية القومية، وهي رؤية تربط بين الهوية الدينية والهوية الوطنية الأمريكية. ويشير التقرير إلى أن بعض قادة الكنائس يشعرون بالقلق من تزايد هذا الاتجاه داخل الدوائر السياسية المرتبطة بترامب، معتبرين أنه يخلط بين الدين والدولة بشكل يهدد حياد المؤسسات الدينية.
في المقابل، يرى مؤيدو هذا التيار أن استعادة القيم المسيحية داخل الحياة العامة الأمريكية أمر ضروري لمواجهة ما يسمونه التدهور الثقافي. لكن هذا الجدل يعمّق الانقسام داخل المجتمع الديني نفسه، بين من يرى أن الإيمان يجب أن يكون فوق السياسة، ومن يعتقد أن السياسة هي وسيلة لحماية الإيمان.
تحولات داخل الكنائس الكبرى في الغرب الأمريكي
تشير شهادات قادة دينيين في ولايات مثل كانساس إلى تغير تدريجي في مواقف بعض الكنائس الإنجيلية الكبرى. فبعض القساوسة يؤكدون أنهم بدأوا يتلقون تساؤلات متزايدة من المصلين حول سياسات ترامب، خاصة ما يتعلق بالمهاجرين، والعلاقات الدولية، واستخدام القوة العسكرية.
وفي بعض الحالات، بدأت أصوات داخل الكنائس تدعو إلى إعادة تقييم العلاقة بين الإيمان والانتماء السياسي، معتبرة أن ربط الكنيسة بشكل مباشر بأي حزب سياسي قد يضر برسالتها الروحية. هذا التحول، رغم أنه لا يزال محدودًا، قد يشير إلى بداية إعادة تشكيل طويلة الأمد للمشهد الديني في الولايات المتحدة.
معركة انتخابات 2026 على أصوات الإيمان
تكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة مع اقتراب الانتخابات النصفية، حيث يعتمد الجمهوريون على تعبئة الناخبين الإنجيليين لضمان السيطرة على الكونغرس. إلا أن تراجع الحماسة لدى بعض هذه الفئات قد يخلق فجوة سياسية مؤثرة، خاصة إذا قرر جزء من الناخبين الامتناع عن التصويت بدلًا من التحول إلى الحزب الديمقراطي.
ويرى محللون أن أي انخفاض حتى لو كان محدودًا في نسبة المشاركة الإنجيلية قد يغير موازين القوى في دوائر انتخابية حاسمة، مما يجعل هذا التغير الديني-السياسي أحد أهم عوامل الانتخابات المقبلة في الولايات المتحدة.
ماذا يعني هذا التحول؟
يشير هذا الجدل إلى أن العلاقة بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة تمر بمرحلة إعادة تعريف، حيث لم يعد الدعم الديني للمرشحين السياسيين مضمونًا كما كان في السابق. فبينما لا يزال ترامب يحتفظ بقاعدة إنجيلية قوية، إلا أن التصدعات الداخلية قد تتحول مع الوقت إلى عامل ضغط سياسي حقيقي.
وفي حال استمرار هذا الاتجاه، قد تجد الأحزاب الأمريكية نفسها مضطرة لإعادة صياغة خطابها تجاه القيم الدينية، ليس فقط لكسب الدعم الانتخابي، بل أيضًا للحفاظ على توازن اجتماعي داخل مجتمع يشهد استقطابًا متزايدًا بين الإيمان والسياسة.



