سويسرا تعيد حساباتها الدفاعية.. هل يتراجع النفوذ الأمريكي لصالح درع أوروبي بديل لمنظومات باتريوت؟
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تدرس سويسرا إعادة تقييم استراتيجيتها الدفاعية في مجال أنظمة الدفاع الجوي، وسط تأخيرات كبيرة في تسليم منظومة Raytheon Technologies الأمريكية من طراز “باتريوت”، ما دفع برن إلى النظر بجدية في بدائل أوروبية أبرزها النظام الفرنسي-الإيطالي SAMP/T. وتأتي هذه المراجعة في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية في أوروبا منذ الحرب الروسية على أوكرانيا، ما دفع دولًا أوروبية عدة إلى تعزيز استقلالها العسكري وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
ويعكس هذا التحول المحتمل نقاشًا أوسع داخل سويسرا حول مستقبل سياستها الدفاعية، خاصة مع تزايد الضغوط السياسية والاقتصادية لرفع الإنفاق العسكري، إلى جانب الجدل الداخلي المستمر حول مبدأ الحياد السويسري. وبينما تؤكد الحكومة أن علاقتها الدفاعية مع واشنطن ستظل قائمة، فإنها في الوقت نفسه تسعى لتعزيز “التوافق التشغيلي” مع أوروبا، في خطوة قد تعيد رسم ملامح توازنات الأمن في القارة.

تأخيرات “باتريوت” تفتح الباب أمام البديل الأوروبي
تشير المعطيات إلى أن برنامج تسليم منظومة “باتريوت” إلى سويسرا، والذي كان من المفترض أن يبدأ في عام 2027، قد تأجل حتى عام 2032 أو ما بعده، ما خلق فجوة زمنية حرجة في خطط الدفاع الجوي للبلاد. هذا التأخير دفع صناع القرار في برن إلى البحث عن خيارات بديلة قادرة على سد هذا الفراغ الأمني المتزايد.
وفي هذا السياق، برز النظام الفرنسي-الإيطالي SAMP/T كخيار أوروبي رئيسي، خاصة مع التطوير الجديد المعروف باسم “SAMP/T NG”. ويرى مسؤولون سويسريون أن الاعتماد على منظومات أوروبية قد يمنح البلاد قدرة أفضل على التنسيق مع محيطها الجغرافي، في ظل التحولات الأمنية المتسارعة في القارة الأوروبية.
“التحول نحو أوروبا” دون قطع مع واشنطن
أكدت القيادة الأمنية السويسرية أن الهدف ليس استبدال الولايات المتحدة بالكامل، بل تنويع الشركاء الدفاعيين. وقال مسؤولون إن سويسرا تريد الحفاظ على تعاونها الوثيق مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تعزيز التوافق العسكري مع أوروبا، بما يضمن مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية.
ويعكس هذا التوجه محاولة دقيقة لتحقيق توازن بين المعسكرين الأمريكي والأوروبي، خاصة أن سويسرا ليست عضوًا في حلف الناتو ولا الاتحاد الأوروبي، ما يجعلها حريصة على تجنب الانحياز الكامل لأي محور. ومع ذلك، فإن تأخر المشاريع الأمريكية يعزز بشكل غير مباشر جاذبية البدائل الأوروبية.
“درع أوروبي” يتقدم في سوق الدفاع
يُنظر إلى نظام SAMP/T على أنه أحد أبرز رموز سعي أوروبا لتقليل اعتمادها على منظومات الدفاع الجوي الأمريكية، رغم أن انتشاره لا يزال محدودًا مقارنة بمنظومة باتريوت. وقد بدأت دول مثل الدنمارك بالفعل في التعاقد عليه، مع توقعات بتسليم النسخ المطورة في السنوات المقبلة.
ويعكس هذا التحول تنافسًا متزايدًا بين الصناعات الدفاعية الأمريكية والأوروبية، حيث تسعى شركات أوروبية مثل MBDA وThales وLeonardo إلى تعزيز موقعها في سوق الدفاع العالمي عبر تقديم بدائل متقدمة تقنيًا. وفي حال اختارت سويسرا هذا النظام، فقد يشكل ذلك دفعة قوية لمشروع “الاكتفاء الدفاعي الأوروبي”.

ضغوط سياسية داخلية ومأزق الحياد السويسري
لا يقتصر القرار على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى نقاش سياسي داخلي حساس في سويسرا حول مفهوم الحياد. فبينما يدعو البعض إلى الحفاظ على استقلالية كاملة عن التحالفات العسكرية، يرى آخرون أن التطورات الأمنية في أوروبا تفرض إعادة تعريف مفهوم الحياد بما يسمح بتعاون دفاعي أوسع.
كما تواجه الحكومة ضغوطًا لزيادة الإنفاق العسكري ليصل إلى 1% من الناتج المحلي بحلول 2032، وهو ما يتطلب قرارات مالية صعبة، بما في ذلك مقترحات لزيادة الضرائب. وتأتي هذه التحديات في ظل انتقادات سابقة تتعلق بصفقات شراء طائرات F-35 الأمريكية، ما زاد من حساسية النقاش حول الاعتماد على السلاح الأمريكي.
ماذا يعني هذا التحول؟ وما السيناريو المتوقع؟
يمثل هذا التوجه المحتمل نقطة تحول في سياسة الدفاع السويسرية، إذ قد يعكس بداية انتقال تدريجي من الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة إلى نموذج أكثر توازنًا بين واشنطن وأوروبا. وإذا مضت برن في اختيار النظام الأوروبي، فقد يشكل ذلك سابقة لدول أوروبية أخرى تفكر في تقليل اعتمادها على المنظومات الأمريكية.
أما السيناريوهات المستقبلية فتشمل إما استمرار الاعتماد على “باتريوت” رغم التأخير، أو تبني حل مزدوج يجمع بين النظامين الأمريكي والأوروبي، أو التحول الجزئي نحو البديل الأوروبي كخيار استراتيجي طويل المدى. وفي كل الأحوال، يبدو أن ملف الدفاع الجوي السويسري أصبح جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لمنظومة الأمن الأوروبي في مرحلة ما بعد الحرب في أوكرانيا.



