بريطانيا تستعد لضربة اقتصادية لإسرائيل.. عقوبات غربية جديدة تهدد مشروعًا استيطانيًا قد يدفن حل الدولتين نهائيًا

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، تستعد المملكة المتحدة بالتنسيق مع مجموعة من الدول الغربية للإعلان خلال الأيام المقبلة عن حزمة عقوبات جديدة تستهدف جهات وشركات مرتبطة بمشروع استيطاني إسرائيلي مثير للجدل في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط الدولية على حكومة إسرائيل بسبب سياسات الاستيطان والتوسع في الأراضي الفلسطينية.
ويأتي التحرك البريطاني في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأوروبية والدولية من أن مشروع E1 الاستيطاني، الذي تخطط إسرائيل لتنفيذه بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، قد يؤدي فعليًا إلى تقسيم الضفة الغربية إلى شطرين منفصلين، ما يجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أمرًا شبه مستحيل. كما يتزامن ذلك مع تصاعد الانتقادات داخل بريطانيا نفسها، حيث طالب أكثر من 130 نائبًا من حزب العمال الحكومة باتخاذ إجراءات ملموسة لوقف ما وصفوه بانتهاكات متزايدة بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

مشروع E1.. لماذا يثير كل هذا القلق الدولي؟
يُعتبر مشروع E1 أحد أكثر المشاريع الاستيطانية إثارة للجدل منذ سنوات، نظرًا لموقعه الاستراتيجي الذي يربط القدس الشرقية بمستوطنة معاليه أدوميم الكبرى. ووفق الخطط المطروحة، يشمل المشروع بناء أكثر من 3000 وحدة سكنية جديدة، الأمر الذي من شأنه تغيير الخريطة الجغرافية للضفة الغربية بشكل جذري.

ويرى منتقدو المشروع أن تنفيذه سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ما سيقضي عمليًا على إمكانية إقامة دولة فلسطينية متواصلة الأراضي. ولهذا السبب تصنفه العديد من الدول الغربية والمؤسسات الدولية باعتباره أحد أخطر المشاريع الاستيطانية المطروحة حاليًا، نظرًا لتأثيره المباشر على أي تسوية سياسية مستقبلية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

تحرك بريطاني وغربي غير مسبوق ضد الشركات المتورطة
المعلومات الواردة من لندن تشير إلى أن العقوبات المرتقبة لن تقتصر على شخصيات أو مستوطنين متهمين بممارسة العنف ضد الفلسطينيين، بل قد تمتد إلى الشركات والكيانات الاقتصادية التي تشارك في تنفيذ أو تمويل أو دعم مشروع E1.
وتسعى الحكومة البريطانية، بالتعاون مع دول من بينها فرنسا وأستراليا، إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن المشاركة الاقتصادية في مشاريع الاستيطان قد تترتب عليها عواقب قانونية ومالية كبيرة. كما حذرت الدول المشاركة الشركات الدولية من أن الانخراط في هذه المشاريع قد يعرضها لمخاطر قانونية وسمعة سلبية على المستوى العالمي، خاصة في ظل تزايد الجدل حول شرعية الأنشطة الاستيطانية وفق القانون الدولي.
تمرد داخل حزب العمال يرفع مستوى الضغوط
التطور اللافت في القضية يتمثل في الرسالة التي وقعها 137 نائبًا من حزب العمال البريطاني، طالبوا فيها الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة وملموسة لوقف تصاعد الانتهاكات ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
ودعا النواب إلى دراسة إنهاء العلاقات التجارية مع المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي المحتلة، معتبرين أن استمرار التعامل الاقتصادي معها يتناقض مع المواقف البريطانية المعلنة بشأن عدم شرعية الاستيطان. ويعكس هذا التحرك اتساع فجوة الخلاف داخل المشهد السياسي البريطاني حول كيفية التعامل مع السياسات الإسرائيلية، خصوصًا في ظل استمرار الحرب في غزة وتصاعد التوتر في الضفة الغربية.
خان الأحمر يعود إلى الواجهة
أعاد الجدل حول مشروع E1 تسليط الضوء على قرية خان الأحمر البدوية الواقعة شرق القدس، والتي تواجه منذ سنوات خطر الإخلاء والهدم. وقد أثار قرار إسرائيلي جديد يتعلق بالمنطقة انتقادات أممية حادة، وسط تحذيرات من أن أي عملية تهجير قسري للسكان قد تشكل انتهاكًا للقانون الدولي.
وتعتبر منظمات حقوقية أن مصير خان الأحمر مرتبط بشكل مباشر بمشروع E1، إذ إن إزالة التجمعات الفلسطينية في المنطقة قد تمهد الطريق لتوسيع النشاط الاستيطاني. ولهذا أصبحت القرية رمزًا للصراع الدائر حول مستقبل الضفة الغربية وإمكانية الحفاظ على التواصل الجغرافي بين المدن والبلدات الفلسطينية.
أوروبا تقترب من سياسة أكثر تشددًا
التحركات البريطانية تأتي ضمن اتجاه أوروبي أوسع نحو تشديد المواقف من النشاط الاستيطاني. فإسبانيا بدأت بالفعل خطوات لمنع دخول منتجات المستوطنات الإسرائيلية إلى أسواقها، بينما تدرس دول أخرى مثل أيرلندا وبلجيكا وهولندا تشريعات مشابهة.
كما تتزايد الدعوات داخل الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات على شخصيات وكيانات متهمة بدعم المستوطنات أو العنف المرتبط بها. ورغم وجود انقسامات داخل التكتل الأوروبي بشأن حجم الإجراءات المطلوبة، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن ملف الاستيطان بات يحتل موقعًا أكثر تقدمًا على أجندة السياسة الخارجية الأوروبية مقارنة بالسنوات الماضية.
ماذا يعني هذا التطور؟ وما السيناريو المتوقع؟
يمثل التحرك البريطاني رسالة سياسية ودبلوماسية قوية مفادها أن صبر العواصم الغربية على التوسع الاستيطاني بدأ ينفد، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمشاريع يُنظر إليها على أنها تهدد بشكل مباشر أي فرصة مستقبلية لحل الدولتين.
وعلى المدى القريب، قد تؤدي العقوبات إلى زيادة الضغوط الاقتصادية والقانونية على الشركات المتعاونة مع المشروع، لكنها قد لا تكون كافية وحدها لإجبار إسرائيل على التراجع. أما على المدى الأبعد، فإن استمرار الخلاف بين إسرائيل وعدد من حلفائها الغربيين بشأن الاستيطان قد يفتح مرحلة جديدة من التوتر السياسي والدبلوماسي، خاصة إذا مضت الحكومة الإسرائيلية قدمًا في تنفيذ المشروع.
ويبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا هو تصاعد الضغوط الدولية تدريجيًا عبر العقوبات والتحركات القانونية، بالتزامن مع محاولات إقليمية ودولية لإحياء المسار السياسي المتعثر، في وقت تبدو فيه فرص التسوية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.



