هيئة مكافحة الفساد في المجر تدعو إلى مقاضاة الدائرة المقربة من أوربان بتهمة اختلاس مليارات الدولارات

وفقًا لتقرير نشرته POLITICO، تواجه المجر واحدة من أخطر قضايا الفساد السياسي والمالي في تاريخها الحديث، بعدما دعت هيئة النزاهة المجرية إلى فتح تحقيقات جنائية مع مسؤولين كبار عملوا خلال فترة حكم رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان، على خلفية شبهات تتعلق بسوء استخدام مليارات اليوروهات من أموال الاتحاد الأوروبي. وتأتي هذه الاتهامات في لحظة سياسية حساسة، إذ تحاول الحكومة الجديدة بقيادة بيتر ماجيار إقناع بروكسل بالإفراج عن أكثر من 10 مليارات يورو من الأموال الأوروبية المجمدة بسبب مخاوف مرتبطة بسيادة القانون والشفافية.
وبحسب رئيس هيئة النزاهة المجرية فيرينك بال بيرو، فإن التحقيقات كشفت مؤشرات على وجود منظومة منظمة استمرت لسنوات، يُعتقد أنها تسببت في استنزاف أموال عامة وأموال أوروبية عبر عقود حكومية جرى تضخيم قيمتها بشكل مصطنع. وبينما لم يوجه المسؤول اتهامات مباشرة لأوربان أو أفراد محددين من دائرته المقربة، فإنه أكد أن شخصيات سياسية رفيعة المستوى قد تكون عرضة للملاحقة القضائية إذا ثبت تورطها في تلك الممارسات. ويثير هذا الملف تساؤلات واسعة حول مستقبل العلاقات بين بودابست والاتحاد الأوروبي، وحول قدرة الحكومة الجديدة على تفكيك شبكات النفوذ التي تشكلت خلال السنوات الماضية.

اتهامات تتعلق بمليارات اليوروهات
تشير المعلومات التي كشفتها هيئة النزاهة إلى أن ثلاثة كيانات اقتصادية حصلت على النصيب الأكبر من العقود الحكومية الخاصة بتوريد السلع والخدمات خلال السنوات الأخيرة. وتؤكد الهيئة أن الأسعار المدرجة في هذه العقود كانت أعلى بكثير من القيمة الحقيقية في السوق، ما أدى إلى تحميل الخزانة العامة أعباء مالية ضخمة.
ووفق تقديرات الهيئة، أنفقت الدولة المجرية نحو 10 مليارات يورو على هذه العقود خلال أربع سنوات فقط، بينما يُشتبه في أن ما يصل إلى 3.5 مليارات يورو من هذه الأموال يمثل مبالغ مبالغًا فيها أو نفقات مرتبطة بمخاطر فساد مرتفعة. وتُعد هذه الأرقام من بين أكبر مزاعم الفساد المالي التي شهدتها دولة عضو في الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة.
حكومة جديدة تواجه إرثًا ثقيلًا
جاءت هذه التطورات بعد أسابيع قليلة من وصول رئيس الوزراء الجديد بيتر ماجيار إلى السلطة عقب فوز انتخابي كاسح أنهى حقبة سياسية استمرت 16 عامًا تحت قيادة أوربان. وخلال حملته الانتخابية، جعل ماجيار من مكافحة الفساد واستعادة الأموال العامة أحد أبرز شعاراته السياسية.
ويرى مراقبون أن الحكومة الجديدة تواجه اختبارًا حقيقيًا يتمثل في إثبات قدرتها على تنفيذ وعودها الانتخابية، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من شرعيتها السياسية يستند إلى تعهداتها بإعادة بناء مؤسسات الرقابة وتعزيز الشفافية. كما أن أي تباطؤ في التعامل مع هذه الملفات قد يضعف ثقة الناخبين الذين منحوا الحكومة الحالية تفويضًا واسعًا للتغيير.
بروكسل تراقب عن كثب
تكتسب القضية أهمية إضافية بسبب ارتباطها المباشر بأموال الاتحاد الأوروبي. فخلال السنوات الماضية، جمّدت بروكسل مليارات اليوروهات المخصصة للمجر بسبب مخاوف تتعلق باستقلال القضاء وآليات الرقابة على الإنفاق العام.
وقد أكد متحدث باسم المفوضية الأوروبية أن الاتحاد يتبع سياسة عدم التسامح مطلقًا مع أي عمليات احتيال أو إساءة استخدام للميزانية الأوروبية. وأوضح أن بروكسل ستتابع أي نتائج تحقيقات قد تكشف عن إساءة توجيه الأموال، وستعمل على استردادها إذا ثبت وقوع مخالفات. وهذا يعني أن القضية لم تعد شأنًا داخليًا مجريًا فقط، بل تحولت إلى ملف أوروبي واسع الأبعاد.
مزاعم ضغوط ومحاولات ترهيب
أحد أكثر الجوانب إثارة في القضية يتمثل في تصريحات رئيس هيئة النزاهة الذي كشف تعرضه، بحسب قوله، لسلسلة من الضغوط خلال محاولاته التحقيق في ملفات المشتريات الحكومية. وأشار إلى تعرضه لاستهداف سياسي ومحاولات رشوة غير مباشرة، من بينها عرض وظيفة مرتفعة الأجر لزوجته دون مهام حقيقية.
كما تحدث عن اتهامات وإجراءات استهدفته شخصيًا أثناء عمله الرقابي، وهو ما يسلط الضوء على حجم التعقيدات التي قد تواجه المؤسسات المستقلة عند محاولة التحقيق في ملفات تمس دوائر النفوذ السياسي والاقتصادي. وإذا ثبتت صحة هذه الادعاءات، فإنها ستضيف بُعدًا جديدًا للأزمة يتجاوز الفساد المالي ليشمل عرقلة العدالة وممارسة الضغوط على الجهات الرقابية.
ماذا يعني هذا التطور؟ وما السيناريو المتوقع؟
تمثل هذه القضية نقطة تحول محتملة في المشهد السياسي المجري. فإذا نجحت السلطات الجديدة في فتح تحقيقات واسعة واستعادة جزء من الأموال المفقودة، فقد يشكل ذلك بداية مرحلة جديدة من الإصلاحات المؤسسية ويعزز فرص المجر في استعادة التمويل الأوروبي المجمد.
أما على المستوى الأوروبي، فقد تصبح المجر نموذجًا لاختبار قدرة مؤسسات الاتحاد على محاسبة الحكومات والدول الأعضاء بشأن استخدام الأموال المشتركة. وفي المقابل، فإن أي تعثر في التحقيقات أو غياب نتائج ملموسة قد يؤدي إلى استمرار الخلافات مع بروكسل وإطالة أمد تجميد التمويل الأوروبي.
وخلال الأشهر المقبلة، من المتوقع أن تتجه الأنظار إلى الخطوات التي ستتخذها الحكومة الجديدة وهيئة استرداد الأصول المزمع إنشاؤها، ومدى قدرتها على تحويل الاتهامات الحالية إلى ملفات قضائية موثقة قد تفتح الباب أمام واحدة من أكبر حملات مكافحة الفساد في تاريخ المجر الحديث.



