بعد 8 سنوات من قضية دوما.. حكم دولي يعيد فتح أخطر ملف في الحرب السورية ويبرئ مفتشًا تحدى الرواية الرسمية

وفقًا لتقرير نشره موقع The Cradle، عاد ملف الهجوم الكيميائي المثير للجدل في مدينة دوما السورية إلى الواجهة مجددًا بعد صدور قرار تحكيمي دولي لصالح المفتش السابق في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بريندان ويلان، الذي كان قد تعرض لعقوبات مهنية وانتقادات حادة إثر اعتراضه على استنتاجات المنظمة بشأن الحادثة التي وقعت عام 2018. ويعتبر مراقبون أن الحكم الجديد لا يقتصر على إنصاف موظف سابق، بل يفتح الباب مجددًا أمام مراجعة واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في مسار الحرب السورية والعلاقات الدولية المرتبطة بها.وتكتسب القضية أهمية استثنائية لأن حادثة دوما استُخدمت آنذاك كأحد المبررات الرئيسية للضربات

العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ضد أهداف حكومية سورية. واليوم، ومع صدور قرار يلزم المنظمة بدفع تعويضات قانونية وأدبية لويلان، تتجدد التساؤلات حول كيفية إعداد التقارير الدولية في النزاعات المسلحة، ومدى تعرضها للضغوط السياسية، وتأثير ذلك على القرارات العسكرية والدبلوماسية الكبرى.حادثة دوما.. الشرارة التي غيرت مسار الأحداثفي أبريل 2018 انتشرت مشاهد صادمة من مدينة دوما في ريف دمشق، أظهرت عشرات الضحايا الذين قيل إنهم سقطوا نتيجة هجوم كيميائي. وسرعان ما وجهت جهات معارضة للحكومة السورية اتهامات مباشرة إلى السلطات السورية باستخدام
غازات سامة ضد المدنيين
وأثارت الصور ومقاطع الفيديو موجة غضب دولية واسعة، دفعت الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين إلى تنفيذ ضربات صاروخية ضد مواقع سورية بعد أيام قليلة فقط. وأصبحت الرواية المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسي والإعلامي الغربي تجاه
الحكومة السورية خلال السنوات اللاحقة
تقارير فنية أثارت الشكوك بحسب التقرير، فإن فريق التحقيق التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية جمع عينات ميدانية وأجرى سلسلة من الاختبارات العلمية للبحث عن آثار غازات أعصاب مثل السارين أو الكلور.غير أن تقارير فنية داخلية أعدها خبراء سموم ومهندسون متخصصون أثارت تساؤلات مهمة بشأن الرواية السائدة. فقد أشارت بعض التقييمات إلى أن الأعراض الظاهرة على الضحايا لا تتوافق بشكل واضح مع التعرض لغاز الكلور، كما أن نمط الإصابات ومواقع الأسطوانات التي قيل إنها ألقيت من الجو أثار شكوكًا هندسية حول كيفية وصولها إلى أماكن العثور عليها.وتحولت هذه الملاحظات لاحقًا إلى محور خلاف داخل المنظمة بين المحققين الميدانيين وبعض القيادات الإدارية التي أشرفت على صياغة التقرير النهائي.
اتهامات بتعديل النتائج وإخفاء تحفظات المحققين
يستند الجدل الرئيسي في القضية إلى ادعاءات بأن النسخ الأولية من تقارير التحقيق احتوت على ملاحظات وتحفظات علمية لم تظهر بالشكل نفسه في التقارير النهائية المنشورة للرأي العام.ووفقًا لويلان، فإن التقرير الذي أعده فريقه تضمن إشارات إلى عدم كفاية الأدلة للوصول إلى استنتاج حاسم بشأن وقوع هجوم كيميائي بالطريقة التي تم الترويج لها. لكنه أكد أن الصياغات اللاحقة للتقرير استبعدت أجزاء مهمة من تلك الملاحظات وقدمت استنتاجات أكثر حسمًا بشأن استخدام مادة كيميائية سامة.وقد أثارت هذه الادعاءات على مدار السنوات الماضية نقاشًا واسعًا بين خبراء الأسلحة الكيميائية والباحثين في شؤون النزاعات الدولية حول آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات الدولية.حكم التحكيم الدولي يعيد القضية إلى الواجهةالتحول الأبرز جاء مع صدور قرار هيئة التحكيم التابعة لمنظمة العمل الدولية لصالح ويلان، بعد سنوات من النزاع القانوني مع منظمة
حظر الأسلحة الكيميائية
واعتبرت الهيئة أن الإجراءات التي اتخذت بحقه لم تستند إلى مبررات قانونية كافية، وأمرت المنظمة بدفع تعويضات وتكاليف قانونية مرتبطة بالقضية.ويُنظر إلى هذا القرار باعتباره انتصارًا شخصيًا ومهنيًا للمفتش السابق، لكنه لا يمثل بالضرورة حكماً قضائياً على مجمل استنتاجات تحقيق دوما. ومع ذلك، فإنه يعزز الدعوات المطالبة بمراجعة أوسع للكيفية التي تم بها التعامل مع الأدلة والخلافات الداخلية داخل المنظمة خلال تلك الفترة.ماذا يعني هذا التطور؟تكمن أهمية القضية في أنها تتجاوز حدود سوريا نفسها. فحادثة دوما لعبت دورًا مباشرًا في تشكيل مواقف دولية وإجراءات عسكرية كان لها تأثير واسع على مسار الحرب السورية.كما يسلط الحكم الضوء على تحديات تواجه المنظمات الدولية عندما تتعامل مع ملفات شديدة الحساسية سياسيًا. فالمصداقية والشفافية في جمع الأدلة وتحليلها أصبحت عنصرًا حاسمًا في عالم تتخذ فيه قرارات الحرب والسلم استنادًا إلى تقارير فنية وتحقيقات دولية.وبالنسبة للمتابعين للشأن السوري، فإن القضية تعيد طرح أسئلة قديمة حول حقيقة ما جرى في دوما، ومن يتحمل المسؤولية عن الضحايا، وما إذا كانت جميع الوقائع المرتبطة بالحادثة قد كُشفت بالفعل للرأي العام
السيناريو المتوقع
من غير المرجح أن يؤدي الحكم إلى تغيير فوري في المواقف الرسمية للدول الغربية أو المنظمات الدولية بشأن ملف دوما. لكن من المتوقع أن يمنح دفعة جديدة للجهات التي تطالب بإعادة فحص الأدلة والوثائق المتعلقة بالقضية.كما قد تواجه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ضغوطًا متزايدة لتعزيز الشفافية بشأن آليات إعداد التقارير الداخلية والتعامل مع الآراء المخالفة داخل فرق التحقيق. وفي حال استمرت المطالبات بالكشف عن مزيد من الوثائق أو المراسلات المرتبطة بالملف، فقد نشهد خلال الفترة المقبلة عودة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الحرب السورية إلى دائرة النقاش الدولي من جديد.



