صدمة في أوروبا: واحد من كل عشرة فقط يرى أمريكا حليفًا.. انهيار تاريخي في الثقة بين ضفتي الأطلسي
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، يكشف استطلاع رأي واسع شمل 15 دولة أوروبية عن تحول جذري في نظرة الأوروبيين إلى الولايات المتحدة، حيث لم يعد سوى واحد من كل عشرة أشخاص يعتبرونها حليفًا موثوقًا. وتظهر النتائج مستوى غير مسبوق من الشك وعدم الثقة، إذ أبدت أغلبية المشاركين قناعة بأن واشنطن لن تتدخل للدفاع عنهم في حال تعرضهم لهجوم. ويأتي هذا التحول في وقت حساس سياسيًا وعسكريًا مع اقتراب قمم دولية كبرى، ما يضع مستقبل التحالف عبر الأطلسي أمام تساؤلات حادة. كما يشير التقرير إلى أن المزاج الأوروبي لم يعد يعتمد على الضمانات الأمريكية كما كان في السابق، بل يتجه تدريجيًا نحو فكرة الاعتماد الذاتي وتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، في ظل مخاوف متزايدة من تراجع الالتزام الأمريكي بأمن القارة.
انهيار الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية
تكشف نتائج الاستطلاع عن تراجع حاد في الثقة الأوروبية بالدور الأمريكي كضامن للأمن، إذ لم تتجاوز نسبة من يعتبرون الولايات المتحدة حليفًا موثوقًا عشرة في المئة فقط عبر الدول المشمولة بالدراسة. هذا التراجع لا يمثل مجرد تغير في الرأي العام، بل يعكس تحوّلًا عميقًا في تصور الأوروبيين لمعادلة الأمن العالمية التي حكمت القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فبدلًا من اعتبار الولايات المتحدة الركيزة الأساسية للحماية، باتت تُصنف بشكل متزايد كـ”شريك ضروري” لكنه غير مضمون الالتزام في الأزمات. هذا التحول يعكس أيضًا تآكل صورة التحالف التقليدي، وصعود قناعة أوروبية بأن الضمانات الأمنية لم تعد ثابتة كما كانت في العقود الماضية.
تزايد القناعة بعدم تدخل واشنطن في الأزمات
أحد أبرز ما أظهره الاستطلاع هو أن غالبية المواطنين في الدول الأوروبية لا يعتقدون أن الولايات المتحدة ستسارع إلى مساعدتهم في حال تعرضهم لهجوم عسكري. هذه القناعة أصبحت مشتركة بين مختلف الدول، بما في ذلك تلك التي تمتلك تاريخًا طويلًا من التعاون الوثيق مع واشنطن. ويعكس هذا الشعور تراجعًا في الإيمان بفعالية التحالفات التقليدية، مقابل تصاعد الشكوك حول أولويات السياسة الأمريكية المستقبلية. كما يشير إلى أن الأوروبيين بدأوا يعيدون تقييم حساباتهم الاستراتيجية، ليس فقط على مستوى الحكومات، بل أيضًا على مستوى الرأي العام الذي بات أكثر تشككًا في مفهوم “الضمان الأمني الخارجي” ككل.

أوروبا تتجه نحو الاعتماد على الذات
في مقابل هذا التراجع في الثقة، يكشف التقرير عن توجه متزايد داخل المجتمعات الأوروبية نحو دعم تعزيز القدرات الدفاعية المحلية وزيادة الإنفاق العسكري. فهناك قبول متنامٍ لفكرة أن أوروبا يجب أن تكون قادرة على حماية نفسها دون الاعتماد الكامل على الدعم الخارجي. هذا التحول لا يقتصر على النخب السياسية، بل يمتد إلى شرائح واسعة من المواطنين الذين باتوا يرون في الاستقلال الدفاعي خيارًا واقعيًا في ظل التغيرات الجيوسياسية. كما يظهر الاستطلاع دعمًا لفكرة شراء الأسلحة من داخل أوروبا بدل الاعتماد على الولايات المتحدة، في مؤشر واضح على رغبة في بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالية وتماسكًا.
انقسام داخلي حول مستقبل الدفاع الأوروبي
رغم تزايد الدعم لفكرة الاستقلال الدفاعي، لا تزال هناك انقسامات داخل أوروبا حول كيفية تمويل هذا التحول. فبينما تؤيد بعض الدول فكرة التمويل المشترك للإنفاق العسكري عبر الاقتراض الأوروبي، تعارض دول أخرى هذه الخطوة وتفضل الحفاظ على السياسات المالية التقليدية. كما يظهر انقسام واضح حول تقليص الإنفاق الاجتماعي لصالح زيادة الميزانيات الدفاعية، وهو خيار لا يحظى بشعبية في عدد من الدول الكبرى. هذا التباين يعكس تعقيد مشروع بناء دفاع أوروبي موحد، ويشير إلى أن الانتقال من الاعتماد على الحماية الخارجية إلى الاستقلال الذاتي لن يكون عملية سهلة أو سريعة، بل سيواجه عقبات سياسية واقتصادية داخلية.
تراجع فكرة الاستبدال الكامل للحلف الأطلسي
رغم تزايد الانتقادات، لا يزال معظم الأوروبيين لا يدعمون فكرة استبدال الحلف الأطلسي بهيكل دفاعي أوروبي خالص. فالغالبية ترى أن العلاقة مع الولايات المتحدة قد تتحسن مستقبلًا، حتى وإن كانت المرحلة الحالية تشهد توترًا واضحًا. هذا الموقف يعكس واقعية سياسية لدى الرأي العام الأوروبي، الذي لا يزال يعتبر التحالف القائم عنصرًا مهمًا في استقرار الأمن الإقليمي. ومع ذلك، فإن هذا الدعم لا يلغي حقيقة التراجع في مستوى الثقة، بل يضعه في إطار “التحالف المشروط” الذي يعتمد على التطورات السياسية في واشنطن ومستقبل القيادة الأمريكية.

ماذا يعني هذا التحول؟ وما السيناريو المتوقع؟
يشير هذا التحول في الرأي العام الأوروبي إلى بداية مرحلة جديدة في العلاقات عبر الأطلسي، قد لا تصل إلى القطيعة لكنها تعكس إعادة صياغة عميقة لطبيعة التحالف. ففكرة الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة بدأت تتراجع لصالح رؤية أكثر توازنًا تقوم على توزيع المسؤوليات الأمنية بين الطرفين. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة تسارعًا في بناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة جزئيًا، إلى جانب استمرار التعاون مع واشنطن ولكن بشروط أكثر تحفظًا. أما السيناريو الأكثر ترجيحًا فهو استمرار الشراكة، ولكن في إطار أقل يقينًا وأكثر اعتمادًا على المصالح المتبادلة بدل الضمانات التقليدية الثابتة.
اقرأ ايضَا: أزمة الطاقة التي قد تُسقط هيمنة الغرب: كيف تدفع حرب الخليج العالم نحو نظام دولي متعدد الأقطاب؟



