أوروبا وكوريا الجنوبية تعيدان رسم خريطة القوة العسكرية.. صفقات أسلحة بمليارات الدولارات تهز ميزان الدفاع العالمي
وفقًا لتقرير نشرته منصة “بوليتيكو أوروبا”، تستعد بروكسل لعقد قمة رفيعة المستوى مع كوريا الجنوبية لبحث ملفات التجارة والاقتصاد والدفاع، في خطوة تعكس تحولات عميقة في بنية التحالفات الدولية وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية عالميًا. ويشير التقرير إلى أن الاتحاد الأوروبي يرى في سيول شريكًا استراتيجيًا مهمًا في مرحلة “تقليل المخاطر” الاقتصادية والأمنية، خصوصًا مع تزايد الحاجة الأوروبية لإعادة التسلح بسرعة في مواجهة التهديدات الروسية. وتأتي هذه القمة بعد سنوات من التقارب التدريجي بين الجانبين، لكنها تحمل هذه المرة طابعًا أكثر حساسية، إذ تمتد النقاشات إلى صفقات تسليح ضخمة، وتعاون صناعي متقدم، واتفاقات رقمية جديدة، ما يعكس تحول كوريا الجنوبية من مجرد شريك اقتصادي إلى لاعب رئيسي في منظومة الأمن الأوروبي.
قمة استثنائية تعيد تعريف الشراكة بين بروكسل وسيول
تستضيف بروكسل اجتماعًا رفيع المستوى يجمع رئيس كوريا الجنوبية بالرئيسة التنفيذية للمفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي، في أول قمة من نوعها منذ ثلاث سنوات. وتناقش القمة ملفات تتجاوز التعاون التقليدي، لتشمل الأمن الصناعي والمرونة الاقتصادية والتجارة الرقمية. ويأتي هذا الاجتماع في وقت تسعى فيه أوروبا إلى بناء شبكة تحالفات جديدة تقلل من اعتمادها على الشركاء التقليديين، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والدفاع، ما يمنح كوريا الجنوبية موقعًا متقدمًا في الاستراتيجية الأوروبية الجديدة.
صعود كوريا الجنوبية كقوة تسليحية في أوروبا
يشير التقرير إلى أن شركات السلاح الكورية الجنوبية أصبحت لاعبًا رئيسيًا في سوق الدفاع الأوروبي، مستفيدة من قدرتها على تسليم الأسلحة بسرعة عالية مقارنة بالمنافسين التقليديين. وقد برزت بولندا كأكبر زبون لهذه الصناعة، من خلال صفقات ضخمة شملت دبابات ومدفعية وصواريخ وطائرات قتالية خفيفة. هذا التوسع يعكس تحولًا في ميزان القوة داخل سوق السلاح العالمي، حيث باتت الدول الأوروبية تعتمد بشكل متزايد على موردين آسيويين لتلبية احتياجاتها الدفاعية المتسارعة.
بولندا في قلب التحول العسكري الأوروبي
تعد بولندا المثال الأبرز على هذا التحول، إذ وقعت صفقات بمليارات الدولارات لشراء مئات الدبابات من طراز “كي تو” ومدافع “كي ناين” ومنظومات صاروخية متطورة. ويعود هذا التوجه إلى الحاجة الملحة لتعزيز القدرات الدفاعية في شرق أوروبا، خصوصًا بعد الحرب الروسية الأوكرانية. وتشير التقديرات إلى أن بولندا استحوذت وحدها على ما يقارب نصف صادرات كوريا الجنوبية من الأسلحة بين عامي 2022 و2024، ما يعكس حجم الاعتماد الأوروبي المتزايد على الصناعة العسكرية الكورية.

توسع أوروبي أوسع.. من البلطيق إلى رومانيا
لم يقتصر التعاون العسكري على بولندا، بل امتد إلى دول البلطيق ورومانيا وفنلندا والنرويج، حيث أصبحت المدفعية الكورية من طراز “كي ناين” خيارًا مفضلًا بفضل توافقها مع معايير حلف شمال الأطلسي وسرعة تسليمها. وفي حالة رومانيا، لم تقتصر الصفقة على شراء الأسلحة، بل شملت أيضًا إنشاء خطوط إنتاج محلية، ما يعكس انتقال التعاون من مجرد استيراد إلى شراكات صناعية طويلة الأمد داخل القارة الأوروبية.
دوافع استراتيجية.. تقليل الاعتماد على واشنطن
يشير التقرير إلى أن أحد أهم دوافع هذا التحول هو القلق الأوروبي المتزايد من الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة في مجال الدفاع، خصوصًا في ظل التغيرات السياسية في واشنطن. هذا القلق دفع الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز شراكاته مع دول مثل كوريا الجنوبية، التي تقدم مزيجًا من الكفاءة العسكرية والسرعة في الإنتاج والتوافق مع المعايير الغربية. كما تستفيد سيول من هذا التحول لتوسيع نفوذها الجيوسياسي عبر بوابة أوروبا.
صندوق أوروبي جديد يعيد تشكيل سوق السلاح
يتزامن هذا التقارب مع إطلاق برنامج أوروبي ضخم لتمويل شراء الأسلحة بقيمة 150 مليار يورو، يهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية للدول الأعضاء. لكن البرنامج يفرض قيودًا على حصة الشركات من خارج الاتحاد الأوروبي، ما يضع سقفًا لمشاركة الشركات الكورية. ورغم ذلك، يرى محللون أن الطلب الأوروبي المتسارع قد يفتح الباب أمام استثناءات أو شراكات إنتاج مشترك، ما قد يغير قواعد المنافسة في سوق السلاح العالمي خلال السنوات المقبلة.
تحليل: ماذا يعني هذا التحول؟
يمثل التقارب بين الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية تحولًا استراتيجيًا في بنية الأمن العالمي، حيث لم تعد التحالفات العسكرية محصورة في الغرب التقليدي. دخول كوريا الجنوبية بقوة إلى السوق الأوروبي يعكس إعادة توزيع لمراكز الثقل في صناعة السلاح، مع تزايد الاعتماد على شركاء آسيويين. السيناريو المتوقع يتمثل في تعميق الشراكات الدفاعية بين الجانبين، وربما ظهور تحالف صناعي عسكري جديد يوازن النفوذ الأمريكي والروسي والصيني في آن واحد، ما يعيد رسم خريطة القوة العالمية بشكل أكثر تعقيدًا وتعددًا.
اقرأ ايضَا: أزمة الطاقة التي قد تُسقط هيمنة الغرب: كيف تدفع حرب الخليج العالم نحو نظام دولي متعدد الأقطاب؟



