صدمة في أسواق السلاح الأوروبية.. أسهم عمالقة الدفاع تتهاوى والمستثمرون يهربون نحو تكنولوجي الحروب الحديثة

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تواجه شركات الصناعات الدفاعية الأوروبية واحدة من أصعب الفترات منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، بعدما دخلت موجة الصعود التاريخية التي استمرت لسنوات في مرحلة تراجع حاد أثار قلق المستثمرين والأسواق. فقد انخفض مؤشر شركات الدفاع الأوروبية بأكثر من 15% منذ ذروته مطلع العام الجاري، ما أدى إلى تبخر مليارات اليوروهات من القيمة السوقية لكبرى الشركات العسكرية في القارة. ويأتي هذا التراجع رغم استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية، في وقت بدأت فيه الأسواق تطرح سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع الحكومات الأوروبية بالفعل تمويل خططها العسكرية الضخمة أم أن الوعود السياسية أكبر من القدرة الاقتصادية على تنفيذها؟
نهاية واحدة من أقوى موجات الصعود في أوروبا
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، تحولت شركات الدفاع الأوروبية إلى نجوم الأسواق المالية، حيث سجل القطاع مكاسب سنوية تجاوزت 40% لعدة سنوات متتالية، بينما قفزت بعض الأسهم إلى مستويات قياسية مع تصاعد الإنفاق العسكري الأوروبي. لكن الصورة بدأت تتغير خلال عام 2026 مع ظهور شكوك متزايدة حول قدرة الحكومات على الاستمرار في ضخ الأموال بالمعدلات نفسها. وأصبح المستثمرون أكثر حذرًا تجاه التوقعات المتفائلة التي سادت خلال السنوات الماضية، خصوصًا بعد أن بدأت الضغوط المالية والاقتصادية تؤثر على موازنات الدول الأوروبية.
أزمة التمويل تضرب خطط التسلح الأوروبية
يرى محللون أن المشكلة الرئيسية لا تتعلق بالحاجة إلى التسلح، بل بكيفية تمويله. فارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومية وزيادة أسعار الفائدة خلال الأشهر الأخيرة رفعا من تكلفة الإنفاق العسكري الضخم الذي تعهدت به الحكومات الأوروبية. كما تواجه الدول الأوروبية ضغوطًا متزايدة لدعم المواطنين والشركات المتضررة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، ما يضع صناع القرار أمام معادلة صعبة بين الإنفاق الدفاعي والإنفاق الاجتماعي. ولذلك بدأت الأسواق تتساءل عما إذا كانت التعهدات العسكرية المعلنة ستتحول فعلًا إلى عقود ومشروعات حقيقية أم ستبقى مجرد خطط على الورق.
مشروعات كبرى تتعرض للاهتزاز
المخاوف لم تعد نظرية فقط، بل بدأت تظهر عمليًا في عدد من المشروعات الدفاعية الأوروبية الكبرى. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة خلافات بين دول أوروبية حول برامج تسليح استراتيجية، كما ظهرت مؤشرات على صعوبة التزام بعض الحكومات بمستويات الإنفاق الدفاعي المطلوبة داخل حلف شمال الأطلسي. هذه التطورات أثارت قلق المستثمرين الذين كانوا يراهنون على تدفق طويل الأمد للعقود العسكرية الضخمة، الأمر الذي دفع العديد من الصناديق الاستثمارية إلى تقليص مراكزها في أسهم شركات الدفاع التقليدية.
الحروب الحديثة تغير قواعد اللعبة
عامل آخر يضغط على القطاع يتمثل في التغير السريع لطبيعة الحروب الحديثة. فالنزاعات الأخيرة، سواء في أوكرانيا أو الشرق الأوسط، أظهرت الدور المتزايد للطائرات المسيّرة والصواريخ الذكية والأنظمة الرقمية مقارنة بالدبابات والمدرعات التقليدية. ونتيجة لذلك بدأ المستثمرون في تحويل اهتمامهم من شركات الدفاع الكلاسيكية إلى الشركات المتخصصة في التقنيات العسكرية الحديثة والذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة، باعتبارها المستفيد الأكبر من التحولات الجارية في ساحات القتال.
الرابحون الجدد في سوق الدفاع
بينما تتراجع أسهم بعض عمالقة الصناعات العسكرية التقليدية، بدأت شركات أصغر متخصصة في التكنولوجيا الدفاعية بتحقيق مكاسب قوية. ويبدو أن الأسواق تراهن على أن المستقبل سيكون لصالح الشركات القادرة على تطوير حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والطائرات بدون طيار. هذا التحول يعكس قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن الجيوش المستقبلية ستعتمد بشكل أكبر على التكنولوجيا المتقدمة بدلًا من الأنظمة الثقيلة التي سيطرت على الحروب لعقود طويلة.
ماذا يعني هذا التحول لأوروبا والعالم؟
يمثل تراجع أسهم الدفاع الأوروبية إشارة إلى تحول أعمق داخل الصناعة العسكرية العالمية. فالمسألة لم تعد مرتبطة بحجم الإنفاق فقط، بل بنوعية التكنولوجيا التي سيتم الاستثمار فيها خلال السنوات المقبلة. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد نشهد إعادة تشكيل واسعة لسوق السلاح العالمي، مع صعود شركات التكنولوجيا العسكرية المتقدمة وتراجع نسبي لبعض الصناعات التقليدية. كما أن أي تباطؤ في تنفيذ خطط التسلح الأوروبية قد يؤثر على جاهزية القارة الأمنية في ظل استمرار التوترات الدولية.
السيناريو المتوقع خلال الفترة المقبلة
من المرجح أن تظل أسهم شركات الدفاع الأوروبية تحت الضغط إلى حين ظهور دلائل واضحة على تحويل الوعود الحكومية إلى عقود فعلية وإيرادات ملموسة. وفي الوقت نفسه، قد تستمر الشركات العاملة في مجالات الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية في جذب الاستثمارات وتحقيق نمو أسرع. وبناءً على ذلك، تبدو أسواق الدفاع العالمية مقبلة على مرحلة انتقالية قد تعيد رسم خريطة القوى الصناعية والعسكرية خلال العقد القادم.



