فنلندا تختبر “هورنت بلوك 1” لبناء درع ذكي ضد أسراب المسيّرات… وسباق أوروبي لتغيير قواعد الدفاع الجوي

وفقًا لتقرير نشرته منصة NewsAviation، أجرت القوات المسلحة الفنلندية اختبارًا ميدانيًا لمنظومات اعتراض الطائرات المسيّرة، شاركت فيه عدة شركات دفاعية أوروبية، من بينها شركة Destinus التي عرضت نظامها الجديد “هورنت بلوك 1”. ويأتي هذا الاختبار ضمن جهود منهجية متسارعة لتعزيز قدرات فنلندا في مواجهة تهديد الطائرات المسيّرة، التي أصبحت عنصرًا محوريًا في الحروب الحديثة. ويعكس الحدث توجهًا أوسع داخل حلف شمال الأطلسي نحو تطوير أنظمة دفاع منخفضة التكلفة وعالية الدقة قادرة على التعامل مع هجمات الأسراب الجوية، خاصة بعد الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا.
فنلندا تبني شبكة دفاع مضاد للطائرات المسيّرة
أكدت القوات المسلحة الفنلندية أن تطوير قدرات اعتراض الطائرات المسيّرة يتم بشكل “منهجي ومتكامل”، ضمن استراتيجية دفاعية متعددة الطبقات. وخلال الفعالية، تم تقديم عدة حلول تقنية لاختبار قدرتها على رصد واعتراض مختلف أنواع الطائرات المسيّرة. ووصفت القيادة العسكرية هذه الجهود بأنها جزء من منظومة دفاع جوي أوسع تعتمد على التعاون بين مختلف أفرع الجيش. هذا النهج يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الطائرات المسيّرة لم تعد تهديدًا ثانويًا، بل عنصرًا أساسيًا في ساحة المعركة الحديثة يتطلب حلولًا متخصصة وسريعة التطور.
نظام “هورنت”.. اعتراض ذكي بمدى بعيد وقدرات ذاتية
يُعد نظام “هورنت بلوك 1” أحد أبرز الأنظمة التي تم اختبارها، حيث يتميز بمدى يتجاوز 75 كيلومترًا وقدرة على حمل حمولة صغيرة مخصصة لاعتراض الأهداف الجوية. ويعتمد النظام على توجيه أولي عبر الرادار، قبل الانتقال إلى أنظمة ذكاء اصطناعي تعتمد على الاستشعار البصري والأشعة تحت الحمراء في المرحلة النهائية من الاعتراض. كما يتميز بقدرته على العمل في بيئات لا تتوفر فيها إشارات الملاحة العالمية، ما يجعله مقاومًا للتشويش الإلكتروني، وهو عامل حاسم في بيئات الحرب الحديثة التي تعتمد بشكل كبير على الحرب الإلكترونية وتعطيل أنظمة الملاحة.
مواجهة تهديد الأسراب الجوية منخفضة التكلفة
صُمم النظام خصيصًا للتعامل مع فئة الطائرات المسيّرة المتوسطة والهجمات الجماعية التي تعتمد على إطلاق أسراب من الدرونات منخفضة التكلفة لإرباك الدفاعات الجوية. وتكمن المشكلة الرئيسية في أن استخدام الصواريخ التقليدية لاعتراض هذه الأهداف يُعد مكلفًا وغير عملي، نظرًا للفارق الكبير في التكلفة بين الصاروخ والهدف. لذلك، تهدف أنظمة مثل “هورنت” إلى سد هذه الفجوة عبر استخدام وسائل اعتراض أقل تكلفة وأكثر مرونة، مع الحفاظ على دقة عالية في إصابة الأهداف، ما يمثل تحولًا في فلسفة الدفاع الجوي الحديثة.
شركة خلف النظام وخبرة مرتبطة بالحرب في أوكرانيا
تأسست شركة Destinus على يد رائد أعمال روسي الأصل، إلى جانب مسؤول أوكراني سابق في وزارة المالية، ما يعكس طبيعة دولية معقدة للشركة. كما سبق أن زودت الشركة أوكرانيا بأنظمة طائرات مسيّرة خلال السنوات الماضية، وتطورت بشكل سريع لتصبح لاعبًا مهمًا في سوق التكنولوجيا الدفاعية الأوروبية. ويعكس هذا التحول كيف دفعت الحرب في أوكرانيا قطاع الدفاع الأوروبي إلى تسريع الابتكار، وخلق شركات قادرة على الانتقال من مرحلة التطوير التجريبي إلى الشراكات الصناعية الكبرى في وقت قصير نسبيًا.
فنلندا.. موقع جغرافي يفرض عقيدة دفاعية صارمة
تكتسب هذه الاختبارات أهمية خاصة في السياق الأمني الفنلندي، إذ تشترك البلاد في حدود طويلة مع روسيا تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر، وهي الأطول بين دول حلف شمال الأطلسي. ومنذ انضمامها إلى الحلف، تعمل فنلندا على تعزيز قدراتها الدفاعية لمواجهة احتمالات التهديدات الجوية أو اختراقات الطائرات المسيّرة. ويجعل هذا الواقع من أراضيها بيئة اختبار مثالية لأنظمة الاعتراض، لكنه في الوقت نفسه يفرض متطلبات صارمة على الأداء والدقة، نظرًا لحساسية موقعها الجغرافي.
نحو جيل جديد من الدفاع الجوي الذكي
يشير هذا التطور إلى اتجاه أوسع داخل دول حلف شمال الأطلسي نحو بناء منظومات دفاع جوي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والاعتراض الذاتي بدل الاعتماد الكامل على الأنظمة التقليدية. ومع تزايد تهديد الطائرات المسيّرة، يبدو أن المستقبل يتجه نحو دمج الرادارات، والأنظمة البصرية، والخوارزميات الذكية في شبكة واحدة قادرة على اتخاذ قرارات سريعة في الزمن الحقيقي. وإذا أثبتت أنظمة مثل “هورنت” فعاليتها، فقد تصبح نموذجًا جديدًا للدفاع الجوي منخفض التكلفة وعالي الكفاءة في مواجهة الحروب غير التقليدية.



