لماذا أصبح الأردن في مرمى النيران ؟
في السياسة لا توجد مصادفات ، هذه حقيقة يعرفها كل من جلس يوماً على مقعد القرار ، أو تابع من بعيد كيف تُصنع الأحداث قبل أن تُعلَن .
فحين تتحرك الصواريخ ، يكون القرار قد اتُّخذ قبلها بوقت طويل ، وحين تُستهدف دولة فاعلم أن ثمة حساباً جرى على طاولة ما في غرفة مغلقة بعيداً عن أضواء الكاميرات وضجيج المراسلين .
الأردن لم يُعلن حرباً على أحد ، لم يدفع بجندى واحد إلى جبهة قتال ، لم يوقّع تحالفاً عسكرياً يجعله طرفاً في النزاع ، ومع ذلك وجد نفسه – فجأة وبلا مقدمات كافية – داخل دائرة الخطر ، في واحدة من أشد موجات التصعيد الإقليمي التي شهدتها المنطقة منذ سنوات .
فكيف حدث ذلك ؟ ، والأهم من ذلك : لماذا ؟
الجغرافيا قدرٌ لا يُرد . الأردن دولة لا تستطيع أن تنقل نفسها من مكانها ، مهما أرادت ومهما حاولت فهى تقع في القلب النابض من أكثر بقاع الأرض اشتعالاً بين العراق وسوريا وفلسطين و على مقربة من خطوط الإمداد والممرات العسكرية التي باتت شرايين الصراع الإقليمي الكبير ، وعندما تشتعل المنطقة ، لا تسأل النار عمّن يريد الابتعاد عنها .
أما السبب الثاني فهو أشد وضوحاً وأكثر مباشرة ، وهو الوجود العسكرى الأمريكى على الأراضي الأردنية ، والتعاون الدفاعى الوثيق بين عمّان وواشنطن ، هذا الواقع لا تنظر إليه طهران بعين محايدة .
إيران لا ترى بعض المنشآت العسكرية على الأراضى الأردنية باعتبارها منشآت أردنية خالصة بل تراها امتداداً للنفوذ الأمريكى في المنطقة وجزءاً من منظومة تطويق لا تُخطئها العين ، ومن ثمّ فإن استهداف هذه المواقع – من وجهة النظر الإيرانية – رسالة مكتوبة بالنار موجّهة إلى واشنطن أولاً وإلى عمّان ثانياً .
وهناك سبب ثالث لا يقل خطورة يتمثل فى أن الأردن اضطر – دفاعاً عن سيادته وأمن سمائه – إلى اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة اخترقت مجاله الجوى ، وهو ما تراه عمّان حقاً مشروعاً لا يقبل الجدل وواجباً وطنياً لا تنازل عنه ، لكن طهران قد ترى في الأمر شيئاً آخر تماماً .
وفى السياسة ما يُهم ليس ما تفعله فحسب ، بل ما يعتقد الآخرون أنك تفعله وهنا يكمن جوهر المأزق الأردنى .
فالأردن لا يريد الحرب – وهذا موقف لا لبس فيه – لكنه فى الوقت ذاته لا يستطيع أن يتحول إلى ممر مفتوح للصواريخ ولا إلى ساحة تتصارع فيها إرادات الآخرين .
بين هذين الموقفين يسير الأردن على حبل مشدود فى منطقة لم يبقَ فيها كثير من الحبال السليمة .
والخطر الحقيقى ليس في ضربة هنا أو صاروخ هناك ، بل إن الخطر الحقيقى هو أن تتسع دائرة الصراع حتى تبتلع دولاً لم تكن يوماً طرفاً فيه فالحروب الكبرى تبدأ دائماً بين خصمين لكنها نادراً ما تكتفى بهما .
لهذا فإن السؤال الذي يشغل اليوم عواصم المنطقة وعواصم العالم ليس : هل تعرض الأردن للاستهداف ؟ ، بل السؤال الأكثر إلحاحاً وإيلاماً : هل نحن أمام مرحلة جديدة يدفع فيها كل بلد في الشرق الأوسط ثمن حرب لم يختَرها ؟
الأيام القادمة وحدها ستُجيب ، وهى – للأسف – لا تبشّر بخير .



