وفقًا لتقرير نشرته صحيفة The Guardian، أعلنت أوكرانيا عن حزمة إجراءات واسعة لتعزيز قدرات جيشها تشمل رفع رواتب الجنود وزيادة الحوافز المالية وفتح قنوات جديدة لتجنيد مقاتلين أجانب، في محاولة لمعالجة نقص حاد في القوى البشرية بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب مع روسيا. وتأتي هذه الخطوات في وقت تواجه فيه كييف ضغوطًا عسكرية متصاعدة على الجبهة الشرقية، إلى جانب تصاعد الهجمات الروسية المضادة ورد موسكو على ضربات أوكرانية متزايدة بالطائرات المسيّرة داخل العمق الروسي. وبينما تسعى الحكومة الأوكرانية إلى تثبيت خطوط القتال عبر تحسين الوضع المعيشي للجنود، تتزامن هذه التحركات مع دعم مالي أوروبي ضخم وتطورات سياسية مرتبطة بمسار انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، ما يعكس مرحلة جديدة من “إعادة تشكيل” قدرة كييف على الصمود طويل الأمد في الحرب.
رفع الرواتب العسكرية كأداة لإنقاذ الجبهة
أقرت الحكومة الأوكرانية خطة لرفع الرواتب الأساسية للجنود بنسبة تقارب الثلث لتصل إلى نحو 30 ألف هريفنيا شهريًا، في خطوة تهدف إلى جعل الخدمة العسكرية أكثر جاذبية في ظل المنافسة مع سوق العمل المدني. كما ستشهد رواتب الجنود على خطوط القتال الأمامية زيادات أكبر قد تصل إلى نحو 300 ألف هريفنيا شهريًا.
هذه الزيادات لا تعكس فقط تحسينًا اجتماعيًا، بل تمثل أداة استراتيجية لتقليل العجز في القوى البشرية داخل الجيش، خاصة في وحدات المشاة التي تتحمل العبء الأكبر من القتال المباشر. وتُراهن كييف على أن تحسين الدخل سيساهم في تقليل معدلات التسرب من الخدمة وزيادة الإقبال على التجنيد في ظروف حرب طويلة الأمد.
عقود عسكرية جديدة لمحاولة تثبيت المقاتلين
إلى جانب رفع الرواتب، تعمل أوكرانيا على إدخال نظام عقود عسكرية جديدة محددة المدة تتراوح بين 10 و14 و24 شهرًا، بهدف منح الجنود وضوحًا أكبر بشأن مدة خدمتهم. وتأتي هذه الخطوة استجابة للضغوط النفسية والجسدية الكبيرة التي يواجهها الجنود بعد سنوات من القتال المستمر دون أفق زمني واضح.
وترى القيادة الأوكرانية أن هذه الآلية قد تساعد في خلق توازن بين احتياجات الجيش من جهة، وحقوق الجنود من جهة أخرى، خصوصًا في ظل تزايد النقاش الداخلي حول العدالة في توزيع الأعباء العسكرية. كما يُتوقع أن تسهم هذه العقود في تحسين إدارة الموارد البشرية داخل القوات المسلحة عبر تنظيم عمليات الاستبدال والتدوير في الجبهات.
الاعتماد على التمويل الأوروبي الضخم
تعتمد أوكرانيا في تنفيذ خططها الدفاعية على دعم مالي غير مسبوق من الاتحاد الأوروبي، يشمل قرضًا بقيمة تقارب 90 مليار يورو مخصصًا لتعزيز الإنفاق العسكري. ومن المتوقع أن يصل الإنفاق الدفاعي إلى مستويات قياسية هذا العام، بما يعكس تحول الاقتصاد الأوكراني بالكامل تقريبًا نحو اقتصاد حرب.
هذا الدعم المالي لا يقتصر على تمويل الرواتب، بل يمتد إلى تغطية تكاليف التسليح والصيانة ودعم البنية التحتية العسكرية. كما يعكس في الوقت نفسه التزامًا أوروبيًا طويل الأمد بدعم كييف، خصوصًا في ظل استمرار الجمود في مسارات التسوية السياسية مع موسكو.
فتح باب التجنيد الأجنبي لتعويض النقص البشري
ضمن جهود معالجة العجز في القوى البشرية، أعلنت كييف عن توسيع برامج تجنيد المتطوعين الأجانب من مختلف الدول، حيث تشير التقديرات إلى انضمام نحو 10 آلاف مقاتل أجنبي منذ بداية الحرب.
وتسعى الحكومة الأوكرانية إلى تطوير قنوات تجنيد أكثر تنظيمًا واستقرارًا، مع تقديم حوافز وإجراءات إدارية مبسطة لجذب مزيد من المقاتلين. وتعكس هذه الخطوة حجم التحدي الذي تواجهه القوات الأوكرانية في الحفاظ على مستويات كافية من الجنود القادرين على الاستمرار في العمليات القتالية.
تصعيد روسي ورد عبر المسيّرات والهجمات المتبادلة
في المقابل، صعّد الرئيس الروسي Vladimir Putin من لهجته تجاه الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة، معتبرًا أنها تهدف إلى إرباك الاقتصاد الروسي وزعزعة الاستقرار الداخلي. وتأتي هذه التصريحات بعد تقارير عن ضربات أوكرانية استهدفت منشآت نفطية داخل العمق الروسي على مسافة تتجاوز ألف كيلومتر من خطوط القتال.
كما أعلنت موسكو عن إسقاط مئات الطائرات المسيّرة خلال فترات قصيرة، في مؤشر على اتساع نطاق الحرب الجوية غير التقليدية بين الجانبين. ويعكس هذا التصعيد انتقال الحرب تدريجيًا من خطوط الجبهة التقليدية إلى عمق البنية الاقتصادية والبنية التحتية للطرفين.

ماذا يعني هذا التطور؟ وما السيناريو المتوقع؟
تشير هذه التطورات إلى أن الحرب في أوكرانيا تدخل مرحلة “الاستنزاف الطويل”، حيث يصبح العامل البشري والاقتصادي أكثر أهمية من التقدم العسكري الميداني المباشر. فرفع الرواتب والتجنيد الأجنبي يعكسان محاولة كييف تعويض النقص العددي، بينما تعتمد موسكو على العمق الجغرافي والدفاعات الجوية للتعامل مع ضربات المسيّرات.
على المدى المتوسط، من المتوقع استمرار الحرب بوتيرة منخفضة من التقدم الميداني مع تصاعد الاعتماد على الطائرات المسيّرة والهجمات البعيدة المدى. أما سياسيًا، فإن استمرار الدعم الأوروبي قد يمنح أوكرانيا قدرة على الصمود، لكنه في الوقت نفسه لا يضمن حلًا قريبًا للنزاع، ما يجعل سيناريو “الحرب الطويلة منخفضة الحسم” هو الأقرب في المرحلة الحالية.



