روسيا توسّع حرب المسيّرات النفاثة ضد أوكرانيا بـ”قفزة غير مسبوقة”.. وتحدٍ جديد يربك الدفاعات الجوية
نقلًا عن بيانات استخباراتية أوكرانية، تواجه أوكرانيا تصعيدًا حادًا في استخدام روسيا للطائرات المسيّرة النفاثة، بعد أن ارتفع عدد الهجمات بهذا النوع من السلاح بنحو ثمانية أضعاف مقارنة بالعام الماضي. ويأتي هذا التطور في إطار تحول نوعي في الحرب الجوية بين موسكو وكييف، حيث تعتمد روسيا بشكل متزايد على جيل أسرع وأكثر تطورًا من الطائرات المسيّرة القادرة على اختراق أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية في وقت قياسي. وتشير الأرقام إلى إطلاق نحو 1400 مسيّرة نفاثة منذ بداية عام 2026، مقابل 180 فقط خلال عام 2025، ما يعكس تسارعًا كبيرًا في وتيرة التصعيد العسكري. ويثير هذا التحول مخاوف من دخول الحرب مرحلة جديدة من “السباق التكنولوجي” بين الهجوم الجوي والدفاعات المضادة، وسط ضغوط متزايدة على قدرات أوكرانيا الدفاعية.
قفزة هائلة في استخدام المسيّرات النفاثة
تكشف البيانات العسكرية الأوكرانية عن تحول جذري في استراتيجية روسيا الجوية، مع الاعتماد المتزايد على المسيّرات النفاثة ضمن عائلة “غيران” بدلًا من الطرازات التقليدية البطيئة. ووفقًا للتقديرات، فإن هذا النوع من الهجمات لم يعد استثنائيًا، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في الحملات الجوية الروسية خلال عام 2026.
هذا الارتفاع الحاد لا يعكس فقط زيادة في الإنتاج، بل يشير إلى قرار استراتيجي بتغيير طبيعة الهجوم نفسه، بحيث يصبح أكثر سرعة وتعقيدًا، وأقل قابلية للاعتراض من قبل أنظمة الدفاع الأوكرانية التقليدية.
“غيران-3”.. السرعة كسلاح تكتيكي جديد
تُعد طائرات “غيران-3” النفاثة أحد أبرز التطورات في هذا المجال، حيث تصل سرعتها إلى ما بين 350 و550 كيلومترًا في الساعة، مع مدى يصل إلى نحو 1500 كيلومتر. هذه السرعة العالية تقلص بشكل كبير الوقت المتاح أمام وحدات الدفاع الجوي الأوكرانية لاكتشاف الهدف واعتراضه.
وتكمن خطورة هذا النموذج في أنه يشبه إلى حد كبير صواريخ كروز من حيث البصمة الرادارية وسلوك الطيران، ما يربك أنظمة الرصد ويزيد من صعوبة التمييز بينه وبين الأهداف الأخرى. كما أن سرعته تقلل من فعالية وحدات الدفاع المتحركة التي كانت تعتمد سابقًا على اعتراض الطائرات الأبطأ.
“غيران-4 و5”.. تطور في الحمولة والقدرة التدميرية
إلى جانب “غيران-3”، طورت روسيا نسخًا أكثر تقدمًا مثل “غيران-4” التي تتميز بسرعة أعلى تصل إلى نحو 500 كيلومتر في الساعة، مع قدرة على حمل رؤوس حربية أثقل تصل إلى 50 كيلوجرامًا. هذا التطوير يجعلها أكثر فتكًا في الضربات الدقيقة على الأهداف الحيوية.
أما “غيران-5” فهي نموذج أكثر تعقيدًا يُعتقد أنه أقرب إلى الطائرات المسيّرة الهجومية الثقيلة أو الصواريخ الصغيرة، مع تصميم أكبر ومحرك نفاث متطور. وتشير تقارير استخباراتية إلى اعتماد هذه الطرازات على مكونات أجنبية، بما في ذلك محركات صينية، ما يعكس تشابك سلاسل الإمداد في هذا النوع من الأسلحة.
ضغط متزايد على الدفاعات الأوكرانية
يشكل التحول نحو المسيّرات النفاثة تحديًا مباشرًا للدفاعات الجوية الأوكرانية، التي كانت تعتمد بشكل كبير على وحدات متنقلة قادرة على إسقاط الطائرات البطيئة نسبيًا. لكن السرعة الجديدة لهذه الطائرات تقلل بشكل حاد من زمن الاستجابة، ما يجعل الاعتراض أكثر صعوبة وتعقيدًا.
ويرى خبراء عسكريون أن هذا التطور يجبر أوكرانيا على إعادة تقييم منظومة دفاعها الجوي بالكامل، بما في ذلك تطوير تقنيات رصد أسرع وأنظمة اعتراض قادرة على التعامل مع أهداف عالية السرعة تشبه الصواريخ أكثر من كونها طائرات مسيّرة تقليدية.
سباق تسلح تكنولوجي بين موسكو وكييف
تعكس هذه التطورات دخول الحرب مرحلة جديدة من “السباق التكنولوجي”، حيث تقوم روسيا بتطوير أجيال متتابعة من المسيّرات بسرعة تفوق قدرة أنظمة الدفاع الأوكرانية على التكيف. فكلما نجحت كييف في تطوير وسيلة اعتراض جديدة، تظهر نسخة روسية أكثر سرعة أو تعقيدًا.
ويشير هذا النمط إلى أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة تقليدية على الأرض، بل أصبحت اختبارًا مفتوحًا لقدرات الابتكار العسكري والإنتاج الصناعي، بمشاركة تقنيات من عدة دول، بما في ذلك إيران والصين ضمن سلاسل التصنيع الروسية.
ماذا يعني هذا التطور؟ وما السيناريو المتوقع؟
يمثل هذا التصعيد تحولًا مهمًا في طبيعة الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تنتقل المواجهة بشكل متزايد إلى المجال الجوي غير المأهول، مع اعتماد متنامٍ على الأسلحة منخفضة التكلفة وعالية الكثافة. وهذا يعني أن الدفاعات التقليدية قد تفقد جزءًا من فعاليتها إذا لم يتم تطويرها بسرعة موازية.
في السيناريو المتوقع، ستواصل روسيا زيادة إنتاج المسيّرات النفاثة وتوسيع استخدامها، بينما ستسعى أوكرانيا إلى تطوير أنظمة اعتراض جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي أو الطائرات الاعتراضية المسيّرة. لكن في المدى القريب، يرجح أن يبقى ميزان الهجوم متقدمًا على الدفاع، ما يطيل أمد الاستنزاف العسكري بين الجانبين ويزيد من الضغط على البنية التحتية الأوكرانية.



