إيرانيون يستقبلون اتفاق واشنطن وطهران بالشك والغضب: لا سلام حقيقي وما زال الجميع يشعر بالخيانة
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، فإن اقتراب الولايات المتحدة وإيران من توقيع اتفاق جديد لوقف التصعيد العسكري لم ينجح في تبديد حالة القلق والشك المنتشرة بين الإيرانيين، الذين يعيشون تداعيات الحرب والضربات العسكرية والأزمات الاقتصادية والخدمية المتفاقمة.
وبينما رحبت بعض الأوساط بإمكانية تجنب مواجهة أوسع، يرى كثيرون داخل إيران أن الاتفاق المرتقب لا يقدم حلولًا حقيقية للمشكلات العميقة التي تعانيها البلاد، بل قد يكون مجرد هدنة مؤقتة تؤجل انفجارًا جديدًا في المستقبل. وتكشف شهادات مواطنين من مناطق مختلفة عن حالة من الإرهاق الجماعي وفقدان الثقة في جميع الأطراف، سواء النظام الإيراني أو الولايات المتحدة، وسط شعور متزايد بأن المدنيين هم الخاسر الأكبر من الصراعات السياسية والعسكرية المتواصلة.

أزمة المياه والحرب.. معاناة يومية تتجاوز السياسة
في مدينة سيريك جنوب إيران، حيث تجاوزت درجات الحرارة 45 درجة مئوية، ما زال السكان يعانون آثار الأضرار التي لحقت بمنشآت مياه الشرب نتيجة الضربات العسكرية الأخيرة. ورغم استعادة الخدمة جزئيًا، فإن الكميات المتاحة لا تزال غير كافية لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
وتقول شهادات محلية إن العائلات اضطرت للوقوف ساعات طويلة للحصول على المياه، فيما تسببت الأزمة في معاناة صحية وإنسانية متزايدة، خاصة للأطفال. بالنسبة للكثيرين، جاء الحديث عن اتفاق سياسي بعيدًا عن واقعهم اليومي، إذ ما تزال تداعيات الحرب حاضرة في تفاصيل حياتهم، من نقص الخدمات إلى المخاوف المستمرة من تجدد المواجهات.

ارتياح مؤقت يقابله خوف من المجهول
رغم الترحيب الحذر بالأنباء المتعلقة بالاتفاق، فإن حالة من عدم اليقين تسيطر على الشارع الإيراني. فالكثير من المواطنين يرون أن أي تفاهم بين واشنطن وطهران قد يخفف التوتر مؤقتًا، لكنه لا يضمن استقرارًا طويل الأمد.
ويعتقد مراقبون أن التجارب السابقة عززت هذا التشاؤم، خصوصًا بعد انهيار الاتفاق النووي لعام 2015 وما تبعه من سنوات من العقوبات والتوترات. لذلك يتعامل كثير من الإيرانيين مع الاتفاق الحالي باعتباره خطوة مؤقتة أكثر منه تحولًا استراتيجيًا قادرًا على إنهاء الصراع الممتد بين الجانبين.
انقسام داخلي حاد حول مستقبل البلاد
يكشف التقرير عن وجود انقسام واضح داخل المجتمع الإيراني بشأن كيفية التعامل مع الأزمة الحالية. فهناك مؤيدون للنظام يعتبرون أن طهران نجحت في الصمود أمام الضغوط الخارجية، بينما يعتقد مؤيدو عودة النظام الملكي السابق أن التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا عبر ضغوط دولية أكبر.
لكن فئة ثالثة تبدو آخذة في الاتساع، وهي فئة ترفض الطرفين معًا، وترى أن الصراع السياسي القائم لم يحقق أي مكاسب حقيقية للشعب الإيراني. ويعكس هذا الاتجاه حالة متزايدة من الإحباط لدى قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة بين الشباب الذين يشعرون بأنهم عالقون بين خيارات لا تمثل تطلعاتهم.

غضب من واشنطن وطهران في آن واحد
اللافت أن مشاعر الغضب داخل إيران لم تعد موجهة نحو طرف واحد فقط. فالمعارضون للنظام الإيراني يتهمون السلطات بإدخال البلاد في أزمات متتالية، بينما يشعر كثيرون بخيبة أمل من الإدارة الأمريكية التي كانوا يعتقدون أنها ستتخذ مواقف أكثر دعمًا لمطالب التغيير داخل إيران.
ويرى منتقدون أن السياسة الأمريكية الحالية تركز على التفاهمات الأمنية والاستراتيجية مع طهران أكثر من اهتمامها بمطالب الإيرانيين الداخلية، وهو ما أدى إلى شعور متزايد بالخيانة لدى بعض المعارضين الذين كانوا يعولون على ضغوط دولية أكبر ضد النظام.
جراح الاحتجاجات والحرب تعمق فقدان الثقة
منذ احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت عام 2022، تشهد إيران تغيرًا عميقًا في نظرة كثير من المواطنين إلى المشهد السياسي. فعدد كبير من الشباب فقد الثقة في الوعود السياسية سواء من الداخل أو الخارج، ويرى أن السنوات الماضية أثبتت أن القوى الدولية تتعامل مع الملف الإيراني وفق مصالحها الخاصة.
هذا الشعور تعزز مع استمرار أعمال العنف والضحايا المدنيين، حيث يعتبر كثير من الإيرانيين أن حقوق الإنسان أصبحت تُستخدم بشكل انتقائي وفق الحسابات السياسية، ما زاد من حالة السخط والاستياء الشعبي.
ماذا يعني الاتفاق؟ وهل يمنع حربًا جديدة؟
يشير المشهد الحالي إلى أن الاتفاق الأمريكي–الإيراني قد ينجح في خفض مستوى التوتر خلال المدى القصير، لكنه لا يبدو قادرًا على معالجة الأسباب العميقة للأزمة. فالقضايا المرتبطة بالنفوذ الإقليمي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، والبرنامج النووي، والانقسامات الداخلية، ما تزال قائمة دون حلول نهائية.
السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في فترة هدوء نسبي تسمح للطرفين بإعادة ترتيب أوراقهما، إلا أن احتمالات العودة إلى التصعيد تبقى مرتفعة إذا تعثرت المفاوضات أو ظهرت خلافات جديدة. ولهذا ينظر كثير من الإيرانيين إلى الاتفاق باعتباره استراحة مؤقتة من الأزمة، وليس نهاية لها.



