مارتا تدخل الخدمة.. أوكرانيا تكشف عن مدفعها الجديد بشراكة ألمانية لتعزيز قوة المدفعية في الحرب

كشفت أوكرانيا رسميًا عن أول تفاصيل النسخة الجديدة من مدفعها ذاتي الحركة 2S22 Bohdana، والتي ستحمل اسم “مارتا” (Marta)، وستُنتج على هيكل الشاحنة العسكرية الألمانية Mercedes-Benz Zetros، في إطار مشروع دفاعي ضخم تموله ألمانيا بقيمة 750 مليون يورو (نحو 870 مليون دولار) لإنتاج 200 منظومة مدفعية. ويعد هذا الإعلان، الذي جاء خلال معرض Eurosatory 2026 في العاصمة الفرنسية باريس، خطوة جديدة تؤكد استمرار تطور الصناعة العسكرية الأوكرانية رغم ظروف الحرب، كما يعكس انتقال التعاون الدفاعي بين كييف وبرلين من مرحلة تزويد الأسلحة إلى مرحلة الإنتاج المشترك لمنظومات قتالية متطورة. ويرى خبراء أن المشروع لا يهدف فقط إلى تزويد الجيش الأوكراني بمدفعية جديدة، بل يمثل تحولًا استراتيجيًا نحو دمج الصناعات الدفاعية الأوكرانية داخل منظومة الدعم اللوجستي الأوروبية وحلف الناتو، بما يضمن استمرار عمليات الصيانة والإمداد ورفع كفاءة القوات في ساحات القتال.
أول إعلان رسمي عن “مارتا”
أكد ممثل شركة Ukrainian Armoured Vehicles خلال معرض Eurosatory 2026 أن النسخة الجديدة من مدفع 2S22 Bohdana ستدخل الخدمة تحت اسم “مارتا”، وستعتمد على سبطانة من فئة L39 بعيار 155 ملم وفق معايير حلف شمال الأطلسي.
ويمثل الإعلان أول كشف رسمي عن الاسم والمواصفات الأساسية لهذه النسخة، التي تأتي ضمن الصفقة الألمانية الخاصة بإنتاج 200 منظومة مدفعية جديدة. ويؤكد ذلك استمرار تطوير عائلة “بوهدانا”، التي أصبحت تمثل العمود الفقري لبرنامج المدفعية الأوكراني المحلي، بعد أن أثبتت فعاليتها خلال العمليات العسكرية المستمرة منذ اندلاع الحرب مع روسيا.
هيكل ألماني لتسهيل الصيانة والدعم
ستُبنى منظومة “مارتا” على هيكل الشاحنة العسكرية Mercedes-Benz Zetros، وهي واحدة من أشهر الشاحنات التكتيكية المستخدمة داخل عدد من الجيوش الأوروبية، وعلى رأسها الجيش الألماني.
ويمنح هذا الاختيار القوات الأوكرانية ميزة لوجستية كبيرة، إذ إن الشاحنة تمتلك شبكة دعم فني وقطع غيار واسعة داخل أوروبا ومنظومة الناتو، ما يسهل عمليات الصيانة والإصلاح مقارنة بالمنصات السابقة التي استخدمت هياكل من شركات مختلفة مثل KrAZ وMAZ وTatra.
كما يخفف هذا التوجه العبء عن الجانب الألماني، الذي سيتولى تمويل المشروع، حيث ستكون عمليات الدعم الفني أكثر سهولة بفضل الاعتماد على منصة معروفة لدى الصناعات الدفاعية الأوروبية.
لماذا اختارت أوكرانيا سبطانة L39؟
تعتمد “مارتا” على سبطانة بطول L39، أي أن طولها يعادل 39 مرة من قطر المدفع البالغ 155 ملم، ليصل إلى نحو ستة أمتار تقريبًا.
ورغم أن هذه السبطانة أقصر من سبطانات L52 الموجودة في مدافع غربية متطورة مثل PzH 2000 الألماني وCAESAR الفرنسي، فإن الخبراء يرون أن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاض الكفاءة القتالية.
فالجيش الأوكراني يعتمد بصورة كبيرة على تكتيكات “اضرب ثم غادر”، حيث تصبح سرعة الحركة والانتشار وإعادة التموضع أكثر أهمية من تحقيق أقصى مدى للرماية، خصوصًا مع الانتشار المكثف للرادارات المضادة للمدفعية والطائرات المسيرة على جبهات القتال.
إنتاج محلي رغم الحرب
تشير البيانات الرسمية إلى أن أوكرانيا تمكنت خلال العام الماضي من رفع إنتاج منظومات “بوهدانا” إلى نحو 40 مدفعًا شهريًا، وهو رقم وصفه محللون بأنه إنجاز صناعي كبير في ظل استمرار الحرب واستهداف المنشآت الصناعية.
وإذا استمر هذا المعدل، فمن المتوقع إنجاز الصفقة الألمانية الخاصة بإنتاج 200 منظومة خلال فترة زمنية معقولة، بالتوازي مع استمرار إنتاج النسخ الأخرى المخصصة للجيش الأوكراني.
ويؤكد هذا التطور أن كييف لم تعد تعتمد فقط على المساعدات العسكرية الغربية، بل أصبحت توسع قدراتها في التصنيع المحلي، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في تعويض الخسائر وتلبية احتياجات الجبهة.
شراكة أوروبية تتجاوز التمويل
لا يمثل مشروع “مارتا” مجرد صفقة تسليح جديدة، بل يعكس تحولًا في طبيعة التعاون العسكري بين أوكرانيا وأوروبا.
فالتصميم الأساسي أوكراني، بينما يأتي التمويل من ألمانيا، وتعتمد المنظومة على منصة ألمانية تتوافق مع منظومة الإمداد الخاصة بحلف الناتو، وهو ما يخلق نموذجًا جديدًا للتصنيع الدفاعي المشترك.
ويرى خبراء أن هذا النموذج قد يصبح أساسًا لمشروعات عسكرية أوروبية أخرى خلال السنوات المقبلة، خاصة مع سعي الدول الأوروبية إلى تعزيز صناعاتها الدفاعية وتقليل الاعتماد على الإنتاج الخارجي.
ماذا يعني هذا التطور؟
يمثل الإعلان عن “مارتا” رسالة واضحة بأن أوكرانيا تواصل تطوير قدراتها العسكرية المحلية رغم استمرار الحرب، وأن الدعم الأوروبي لم يعد يقتصر على إرسال الأسلحة والذخائر، بل انتقل إلى الاستثمار المباشر في الصناعة الدفاعية الأوكرانية.
كما يعكس المشروع رغبة ألمانيا في بناء قدرات إنتاجية طويلة الأمد داخل أوكرانيا، بما يضمن استمرار تشغيل المدفعية الأوكرانية حتى في حال تراجع وتيرة المساعدات الغربية مستقبلاً.
السيناريو المتوقع
إذا استمرت معدلات الإنتاج الحالية، فمن المرجح أن تبدأ منظومات “مارتا” بالظهور تدريجيًا على جبهات القتال خلال الفترة المقبلة، ما سيعزز قدرات المدفعية الأوكرانية في تنفيذ الضربات بعيدة المدى باستخدام ذخائر الناتو القياسية.
كما قد يفتح نجاح المشروع الباب أمام عقود أوروبية إضافية لإنتاج منظومات قتالية مشتركة داخل أوكرانيا، الأمر الذي سيجعل الصناعات الدفاعية الأوكرانية جزءًا أكثر اندماجًا في المنظومة العسكرية الأوروبية، ويمنح كييف قدرة أكبر على مواصلة الحرب اعتمادًا على إنتاجها المحلي إلى جانب الدعم الغربي.



