أصبح لبنان الآن جزءاً من عقيدة الردع الإيرانية
وفقًا لتقرير نشره موقع USrelations للكاتب بيمان صالحي، فإن إيران لا تتعامل مع التطورات الأخيرة في لبنان باعتبارها أزمة عابرة، بل تعتبرها بداية لمرحلة استراتيجية جديدة تعيد صياغة مفهوم الردع الإقليمي
ويشير التقرير إلى أن طهران انتقلت من سياسة “الصبر الاستراتيجي” التي اعتمدتها لسنوات إلى نهج أكثر تشددًا، يقوم على اعتبار أمن حلفائها جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي
ويرى التقرير أن هذه المقاربة الجديدة لا تستهدف لبنان وحده، بل تحمل رسائل مباشرة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل ودول المنطقة، مفادها أن أي استهداف لحلفاء إيران سيُنظر إليه باعتباره استهدافًا لإيران نفسها، بما قد يفتح الباب أمام ردود أوسع وأكثر تعقيدًا خلال المرحلة المقبلة.
لبنان يتحول إلى ساحة اختبار للعقيدة الإيرانية الجديدة
يرى التقرير أن لبنان أصبح اليوم الساحة الأولى لاختبار الاستراتيجية الإيرانية الجديدة، بعدما اعتادت طهران لسنوات الفصل بين ملفات المواجهة المختلفة في المنطقة. أما الآن، فتسعى القيادة الإيرانية إلى دمج هذه الملفات في إطار أمني واحد، بحيث يصبح أي اعتداء على أحد حلفائها جزءًا من معادلة الأمن القومي الإيراني.
ويؤكد التقرير أن هذا التحول لا يعكس مجرد تضامن سياسي أو أيديولوجي مع حلفاء إيران، وإنما يمثل إعادة تعريف لمفهوم الردع، بحيث تصبح حماية الحلفاء وسيلة لحماية النفوذ الإيراني ومنع خصومها من استغلال أي نقطة ضعف داخل شبكة تحالفاتها الإقليمية.
نهاية “الصبر الاستراتيجي” بعد سنوات من الضغوط
يوضح التقرير أن إيران اعتمدت خلال السنوات الماضية سياسة عُرفت باسم “الصبر الاستراتيجي”، والتي كانت تقوم على تجنب التصعيد المباشر، والاكتفاء بالرد عندما تتعرض الأراضي الإيرانية أو المصالح الحيوية لهجمات مباشرة.
لكن، بحسب التقرير، خلص صانعو القرار في طهران إلى أن هذه السياسة لم تمنع الضغوط، بل شجعت خصومهم على توسيع نطاق المواجهة تدريجيًا، سواء عبر استهداف شخصيات عسكرية، أو تنفيذ ضربات ضد مواقع مرتبطة بإيران في عدة دول بالمنطقة.
ومن هذا المنطلق، ترى القيادة الإيرانية أن استمرار النهج السابق قد يؤدي إلى تقويض قوة الردع، وهو ما دفعها إلى تبني مقاربة أكثر صرامة في التعامل مع أي تهديد يطال حلفاءها.

ربط كل الجبهات في معادلة واحدة
يشير التقرير إلى أن إيران أبلغت وسطاء دوليين، منذ مارس الماضي، بأن أي اتفاق لوقف إطلاق النار يجب أن يشمل أيضًا وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا في طريقة إدارة الأزمات.
كما استشهد التقرير بتصريحات لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يكون شاملًا لكل الجبهات، وأن خرق الاتفاق في أي ساحة يُعد خرقًا للاتفاق بأكمله.
ويرى التقرير أن هذا الربط بين الملفات المختلفة يضع الولايات المتحدة وإسرائيل أمام معادلة أكثر تعقيدًا، إذ لن يكون بالإمكان احتواء التصعيد في جبهة واحدة مع استمرار العمليات العسكرية في جبهة أخرى.
الردع لم يعد يعتمد على القوة العسكرية فقط
بحسب التقرير، فإن إيران باتت تعتبر أن الردع الحقيقي لا يقوم فقط على امتلاك الصواريخ أو القدرات العسكرية، وإنما على الحفاظ على سمعة الدولة بوصفها حليفًا لا يتخلى عن شركائه تحت الضغط.
ويضرب التقرير مثالًا بحلف شمال الأطلسي، موضحًا أن قوة التحالف لا تستند فقط إلى الإمكانات العسكرية، وإنما إلى الثقة بأن الولايات المتحدة ستلتزم بالدفاع عن حلفائها عند الحاجة.
ومن هذا المنظور، ترى طهران أن التخلي عن أحد حلفائها سيبعث برسالة ضعف إلى بقية شركائها في المنطقة، وهو ما قد يهدد شبكة النفوذ التي بنتها خلال العقود الماضية.
ماذا يعني هذا التحول؟.. سيناريوهات المرحلة المقبلة
يشير التقرير إلى أن الاستراتيجية الإيرانية الجديدة قد تجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر اتساعًا، لأن أي تصعيد ضد أحد حلفاء إيران قد يستدعي ردودًا تتجاوز حدود الدولة المعنية، وهو ما يزيد من احتمالات انتقال الأزمات بين أكثر من جبهة في وقت واحد.
كما يرى التقرير أن دول المنطقة ستراقب هذا التحول عن كثب، لمعرفة مدى استعداد إيران لتحمل كلفة الدفاع عن حلفائها، وهو عامل قد يؤثر في توازنات القوة الإقليمية خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، قد تجد الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما أمام بيئة أمنية أكثر تعقيدًا، حيث تصبح محاولات احتواء النزاعات أكثر صعوبة مع تزايد الترابط بين ملفات الصراع المختلفة.
وفي النهاية، يخلص التقرير إلى أن ما يحدث اليوم لا يمثل مجرد تعديل في الخطاب السياسي الإيراني، بل يعكس إعادة صياغة كاملة لعقيدة الردع الإيرانية،
وهي خطوة قد يكون لها تأثير طويل المدى على مستقبل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط، سواء عبر تعزيز فرص الردع أو زيادة احتمالات التصعيد إذا تعرض أحد حلفاء طهران لضغوط عسكرية جديدة.



