ترامب يطرح سيناريو صادم.. هل تعود سوريا إلى لبنان عسكريًا بعد نصف قرن؟
وفقًا لتقرير نشره موقع ذا كرادل، عاد الحديث مجددًا عن احتمال اضطلاع سوريا بدور أمني أو عسكري داخل لبنان، بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب اقترح فيها أن تلعب دمشق دورًا في مواجهة حزب الله، إذا عجزت إسرائيل عن تحقيق أهدافها
وأثارت هذه التصريحات موجة واسعة من النقاش داخل الأوساط السياسية والإستراتيجية، خاصة أنها أعادت إلى الواجهة تجربة التدخل السوري في لبنان عام 1976، التي استمرت لعقود وشكلت أحد أبرز ملفات المنطقة. إلا أن التقرير يرى أن المقارنة بين الماضي والحاضر تبدو مضللة، لأن الظروف التي سمحت لسوريا بالتدخل آنذاك تغيرت بالكامل، سواء على مستوى الدولة السورية نفسها أو البيئة اللبنانية والإقليمية، ما يجعل أي سيناريو مشابه أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتنفيذ.
تصريحات ترامب تعيد ملف سوريا ولبنان إلى الواجهة
أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إحياء الجدل بشأن مستقبل العلاقة بين سوريا ولبنان عندما تحدث عن إمكانية أن تضطلع دمشق بدور في التعامل مع حزب الله، معتبرًا أن سوريا قد تتدخل إذا لم تتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها العسكرية
كما أشار إلى إمكانية التنسيق بين الولايات المتحدة وسوريا في هذا الملف، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تبحث بالفعل عن ترتيبات إقليمية جديدة تعيد رسم خريطة النفوذ في المشرق العربي، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
لماذا تختلف سوريا اليوم عن سوريا عام 1976؟
يشير التقرير إلى أن التدخل السوري في لبنان عام 1976 لم يكن قرارًا عسكريًا منفردًا، بل جاء في إطار توافقات إقليمية ودولية واسعة، إضافة إلى طلب رسمي من القيادة اللبنانية آنذاك. كما كانت سوريا تمتلك مؤسسات دولة مستقرة وجيشًا نظاميًا قويًا وقيادة تحظى باعتراف داخلي وخارجي، وهو ما وفر لها القدرة على تنفيذ تدخل طويل الأمد
أما اليوم، فإن المشهد مختلف تمامًا، إذ لا تزال الدولة السورية تواجه تحديات داخلية كبيرة تتعلق بإعادة بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي، وهو ما يجعل أي تدخل خارجي عبئًا يصعب تحمله.
الجيش السوري الجديد يواجه تحديات معقدة
يرى التقرير أن المؤسسة العسكرية السورية الحالية تختلف جذريًا عن الجيش الذي دخل لبنان قبل نحو خمسين عامًا فالقوات الموجودة اليوم تشكلت بعد سنوات طويلة من الحرب، وتضم فصائل متعددة الخلفيات والانتماءات، إضافة إلى وجود تساؤلات حول وحدة القيادة والانضباط ووجود مقاتلين أجانب داخل بعض التشكيلات
كما أن تقارير تتحدث عن انتهاكات خلال بعض العمليات العسكرية، وهو ما يثير شكوكًا حول قدرة هذه القوات على تنفيذ عمليات خارج الحدود أو لعب دور إقليمي واسع يتطلب جيشًا موحدًا ومؤسسات مستقرة.
لبنان لم يعد يقبل عودة الوصاية السورية
يوضح التقرير أن الواقع اللبناني تغير بصورة جذرية مقارنة بما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي. ففي ذلك الوقت، جاء التدخل السوري بطلب من الرئيس اللبناني وبدعم من أطراف سياسية مؤثرة، بينما لا يوجد اليوم أي توافق داخلي يدعو إلى عودة القوات السورية
وعلى العكس، تنظر غالبية القوى اللبنانية إلى مرحلة الوجود السوري باعتبارها صفحة أغلقت، بغض النظر عن اختلاف مواقفها من حزب الله أو من التحالفات الإقليمية، وهو ما يجعل أي تحرك سوري يفتقر إلى الغطاء السياسي الذي كان متوفرًا سابقًا.
تعقيدات إقليمية تمنع أي تحرك عسكري
يلفت التقرير إلى أن البيئة الإقليمية الحالية أكثر تعقيدًا بكثير مما كانت عليه قبل خمسة عقود، إذ أصبحت تركيا لاعبًا رئيسيًا داخل سوريا، إلى جانب استمرار النفوذ الإيراني ووجود حزب الله نفسه كقوة عسكرية وسياسية فاعلة
لذلك فإن أي محاولة لدخول قوات سورية إلى لبنان قد تؤدي إلى احتكاكات مع أطراف إقليمية متعددة، وربما تفتح الباب أمام تصعيد أوسع يمتد إلى سوريا والعراق، وهو ما يجعل تكلفة أي تدخل أكبر بكثير من المكاسب المحتملة.
لماذا يستبعد التقرير عودة السيناريو القديم؟
يخلص التقرير إلى أن القضية لا تتعلق برغبة دمشق أو واشنطن فقط، وإنما ترتبط بميزان القوى الحقيقي على الأرض. فالدولة السورية لا تزال منشغلة بإعادة بناء مؤسساتها ومعالجة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، كما أن البيئة الإقليمية لم تعد تمنحها المساحة السياسية التي تمتعت بها في سبعينيات القرن الماضي
لذلك يرى التقرير أن الحديث عن عودة سوريا للعب الدور نفسه في لبنان يتجاهل التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، مؤكدًا أن الأولوية بالنسبة لدمشق تبقى استكمال إعادة بناء الدولة قبل التفكير في أي أدوار خارج حدودها.
ماذا يعني ذلك؟
تعكس عودة هذا النقاش أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة ترتيب موازين القوى، مع محاولات أمريكية لطرح تصورات جديدة بشأن مستقبل لبنان وسوريا. لكن التقرير يرى أن هذه الطروحات تصطدم بواقع مختلف تمامًا عن الماضي، إذ لم تعد سوريا تمتلك الظروف السياسية والعسكرية والإقليمية التي سمحت لها سابقًا بالتدخل في لبنان
ومن ثم، فإن أي حديث عن دور سوري جديد سيظل، في الوقت الراهن، أقرب إلى النقاش السياسي منه إلى مشروع قابل للتطبيق، ما لم تحدث تغيرات جوهرية داخل سوريا نفسها أو في توازنات المنطقة بأكملها.



