بعد 10 سنوات من بريكست.. هل نسي الاتحاد الأوروبي بريطانيا بينما لا تزال لندن أسيرة الماضي؟
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، وبعد مرور عشر سنوات على الاستفتاء الذي غيّر مسار بريطانيا السياسي والاقتصادي، يبدو أن العلاقة بين لندن والاتحاد الأوروبي دخلت مرحلة مختلفة تمامًا عما كانت عليه في السنوات الأولى من الانفصال.
فبينما لا يزال ملف الخروج من الاتحاد حاضرًا بقوة في النقاشات السياسية البريطانية، يرى كثير من الأوروبيين أن هذه الصفحة أصبحت من الماضي، وأن القارة انشغلت بتحديات أكبر مثل الحرب في أوكرانيا، والتوترات الدولية، والأزمات الاقتصادية، والذكاء الاصطناعي
وتكشف الكاتبة، التي تعيش بين بريطانيا وفرنسا، أن الصورة المتبادلة بين الطرفين تغيرت بصورة كبيرة، إذ فقدت المملكة المتحدة جزءًا من جاذبيتها بالنسبة للشباب الأوروبي، بينما أصبح الاتحاد الأوروبي ينظر إلى بريطانيا كشريك يمكن التعاون معه، لا كعضو سابق يشغل اهتمامه الدائم.
أوروبا تجاوزت صدمة الانفصال وبدأت مرحلة جديدة
ترى الكاتبة أن الاتحاد الأوروبي نجح خلال السنوات الماضية في تجاوز الصدمة التي أحدثها خروج بريطانيا، بعدما وجد نفسه أمام تحديات أكثر إلحاحًا فرضت عليه إعادة ترتيب أولوياته.
فالحرب الدائرة على حدوده الشرقية، وجائحة كورونا، والتغيرات السياسية في الولايات المتحدة، دفعت القادة الأوروبيين إلى التركيز على ملفات أكثر أهمية، بينما تراجع ملف العلاقة مع بريطانيا إلى مرتبة متأخرة في جدول الاهتمامات.
وتضيف أن الأوروبيين لم يعودوا يحملون مشاعر عداء تجاه المملكة المتحدة، بل ينظرون إليها باعتبارها دولة جارة تجمعهم بها مصالح مشتركة، دون أن يحتل ملف بريكست المساحة التي كان يشغلها في السابق.
بريطانيا فقدت جزءًا من جاذبيتها للشباب الأوروبي
يشير التقرير إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يؤثر فقط على حركة التجارة والهجرة، بل انعكس أيضًا على مكانة لندن في نظر الشباب الأوروبي.
ففي السابق كانت العاصمة البريطانية من أكثر الوجهات جذبًا للدراسة والعمل والإبداع، أما اليوم فأصبح كثير من الشباب يفضلون مدنًا أوروبية مثل برلين أو برشلونة، بعدما أصبحت إجراءات السفر والعمل والإقامة داخل بريطانيا أكثر تعقيدًا.
كما تراجعت أعداد الطلاب الأوروبيين الملتحقين بالجامعات البريطانية بشكل كبير، في حين لم تحقق المحادثات الخاصة بتسهيل منح التأشيرات للشباب أي تقدم يُذكر حتى الآن.
الاقتصاد تأثر.. لكن الخسارة المعنوية كانت أكبر
لا يقتصر تأثير بريكست على الأرقام الاقتصادية فقط، بل يمتد إلى الصورة الذهنية لبريطانيا داخل أوروبا.
فالكاتبة ترى أن لندن ما زالت مدينة عالمية ومركزًا ثقافيًا مهمًا، لكنها لم تعد تمثل الوجهة الأولى للأوروبيين كما كانت قبل سنوات، بعدما فقدت ميزة حرية التنقل التي كانت تمنحها أفضلية كبيرة مقارنة بغيرها.
ويؤكد هذا التحول أن تداعيات الانفصال لم تقتصر على التجارة والاستثمارات، وإنما مست أيضًا النفوذ الثقافي والاجتماعي الذي كانت تتمتع به بريطانيا داخل القارة.
رغم الخروج.. التعاون بين الجانبين لم يتوقف
ورغم الانفصال السياسي، فإن العلاقات بين الجانبين لا تزال قائمة في العديد من الملفات الاستراتيجية.
فبريطانيا والاتحاد الأوروبي يتبنيان مواقف متقاربة تجاه الحرب في أوكرانيا، كما يواصلان التنسيق في اجتماعات مجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي، وهو ما يعكس استمرار الحاجة إلى التعاون رغم انتهاء عضوية لندن في الاتحاد.
وترى الكاتبة أن حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر قدمت نفسها كشريك أكثر استقرارًا على الساحة الدولية، وهو ما ساعد في تهدئة التوتر الذي طبع العلاقات خلال السنوات الأولى بعد بريكست.

هل يمكن أن تعود العلاقة كما كانت؟
ترى الكاتبة أن بريطانيا لا تزال منشغلة بتداعيات قرار الخروج، بينما تجاوز الاتحاد الأوروبي هذه المرحلة إلى حد كبير.
وتلفت إلى أن النقاش السياسي داخل المملكة المتحدة ما زال يدور حول آثار بريكست، في حين أن القادة الأوروبيين نادرًا ما يجعلون العلاقة مع لندن أولوية في اجتماعاتهم أو سياساتهم اليومية.
ومع ذلك، لا تستبعد الكاتبة أن تشهد السنوات المقبلة تقاربًا أكبر بين الطرفين، خاصة إذا فرضت التحديات الأمنية والاقتصادية العالمية تعاونًا أوسع بينهما.
ماذا يعني هذا؟ وما السيناريوهات المتوقعة؟
يعكس هذا التقرير تحولًا مهمًا في طبيعة العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، إذ لم يعد الخروج يمثل الأزمة المركزية بالنسبة للقارة الأوروبية، بينما لا تزال بريطانيا تبحث عن أفضل صيغة لعلاقتها الجديدة مع جيرانها.
ومن المرجح أن يستمر التعاون في الملفات الأمنية والدفاعية والسياسية، مع بقاء الخلافات المتعلقة بحرية التنقل والتجارة والهجرة دون حلول جذرية في المدى القريب.
أما على المدى البعيد، فإن تغير الأجيال وتبدل الأولويات السياسية داخل بريطانيا قد يفتح الباب أمام علاقة أكثر تقاربًا مع الاتحاد الأوروبي، حتى وإن لم تصل إلى مستوى العودة الكاملة لعضوية التكتل، وهو سيناريو لا يزال مطروحًا في النقاشات السياسية وإن كان بعيد المنال في الوقت الراهن.
اقرأ ايضَأ: الصراع مع إيران يعمق الخلاف بين ترامب والكونغرس



