اقتصاد مصر يتخطى الصعاب… و«وثيقة ملكية الدولة» قد تدفع لنمو 7 %

تخطَّى اقتصاد مصر تداعيات حرب إيران بنجاح كبير. وبناءً على ذلك، شكل هذا الأداء المفاجئ صدمة إيجابية للمؤسسات الدولية. حيث أظهرت المؤشرات الرسمية تماسكاً ملحوظاً لحد بعيد.
علاوة على ذلك، سجَّل الاقتصاد نمواً بنسبة 5 في المائة في الرُّبع الثالث من العام المالي، وتحديداً من يناير إلى مارس الماضي. ونتيجة لهذا الأداء، وصل النمو خلال أول 3 أرباع من العام المالي الحالي إلى 5.2 في المائة. وجدير بالذكر أن السنة المالية في مصر تبدأ دائماً في الأول من يوليو من كل عام.
في المقابل، تزامنت هذه الطفرة مع ضغوط شديدة بدأت مع حرب إيران في 28 فبراير الماضي. حيث توقع الخبراء استمرار الأزمة لنهاية العام الحالي. بالإضافة إلى ذلك، تسبب إغلاق مضيق «هرمز» في أزمة طاقة عالمية. ويمر عبر هذا المضيق نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية، مما دفع الأسعار لمستويات قياسية.
نتيجة لذلك، قرَّرت الحكومة المصرية رفع أسعار المحروقات والكهرباء المنزلية بنسب استثنائية. ومما لا شك فيه أن هذه الخطوة زادت من الضغوط التضخمية على موازنات الأسر والاقتصاد الكلي. وتزامن ذلك مع مخاوف من نقص السلع بسبب ارتفاع تكلفة شحن السفن والتأمين عليها. وبالفعل، رفعت شركات عدة أسعارها فوراً بسبب استمرار الضبابية السياسية.
من ناحية أخرى، شهدت تلك الفترة هبوطاً كبيراً للعملة المصرية بأكثر من 10 في المائة أمام الدولار. وجاء هذا التراجع إثر خروج نحو 18 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين.
ولكن، يرى صندوق النقد الدولي أن الإجراءات الحازمة التي اتخذتها السلطات المصرية كانت حاسمة. وشملت هذه القرارات تعديل أسعار الوقود وترشيد استهلاك الطاقة الحكومية. بالإضافة إلى ذلك، تمت إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وزيادة الدعم الاجتماعي لحماية الفئات الضعيفة. وبناءً على هذه الخطوات، أصبح تأثير الحرب على الاقتصاد المصري محدوداً نسبياً.

وثيقة ملكية الدولة ودورها في إنعاش اقتصاد مصر

رغم كل هذه التحديات، تتبنى الحكومة المصرية خططاً اقتصادية طموحة للغاية. حيث تستهدف الوصول بمعدل النمو الاقتصادي إلى أكثر من 7 في المائة خلال العام المالي 2029 – 2030.
علاوة على ذلك، تركز الرؤية الحكومية على قيادة القطاع الخاص لعجلة التنمية. ومن المتوقع أن تتجاوز مساهمة القطاع الخاص 65 في المائة من إجمالي الاستثمارات. وستتحقق هذه المستهدفات من خلال «وثيقة ملكية الدولة» عبر التخارج من بعض القطاعات الحيوية.
وفي سياق متصل، قد يرى البعض هذه التقديرات متفائلة بشكل مفرط. ومع ذلك، توقع بنك «إتش إس بي سي» منتصف يونيو الماضي نمواً بنحو 7 في المائة بحلول عام 2030. كما عدَّل البنك معدل النمو المتوقع لعام 2029 ليصبح 6 في المائة. وبالمثل، استقرت توقعات النمو للعام المالي الحالي عند 4.7 في المائة، لتصل إلى 5.4 في المائة خلال العام المقبل.
ومن زاوية أخرى، استطاعت مصر الاستفادة من تداعيات الأزمة بشكل إيجابي لدعم اقتصاد مصر في قطاع الطاقة. حيث برز دور خط أنابيب «سوميد» الذي يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط. ويعد هذا الخط ممراً استراتيجياً حيوياً لنقل نفط الخليج إلى الأسواق العالمية. بالإضافة إلى ذلك، قامت مصر بتأجير صهاريج نفط عملاقة لبعض دول الخليج في الموانئ المصرية.
بناءً على ذلك، أعلنت مصر مؤخراً تسديد كامل المديونيات المتأخرة للشركات الأجنبية في قطاع الطاقة. ومن شأن هذه الخطوة جذب استثمارات جديدة ترفع معدلات الإنتاج للوصول إلى الاكتفاء الذاتي.
ونتيجة لإغلاق مضيق هرمز، عادت قناة السويس إلى واجهة المشهد مجدداً لاستقبال السفن المارة. وبالمثل، حافظت السياحة المصرية على معدلاتها الطبيعية، رغم موجة إلغاء الحجوزات التي حدثت في بداية الحرب.
توقعات إيجابية بشأن مؤشرات المالية العامة للدولة
أكد تقرير حديث صادر عن مؤسسة «BMI» التابعة لـ«فيتش سولوشنز» على تحسن الأداء المالي. وتتجه المالية العامة ودعم اقتصاد مصر إلى تحقيق تعافٍ أسرع من المتوقع خلال السنة المالية المقبلة.
ويعود هذا التحسن إلى تقلص عجز الميزانية لأدنى مستوى منذ سنوات. بالإضافة إلى ذلك، ساهم انخفاض تكلفة الدين وتراجع أسعار النفط وتعافي الجنيه في دعم هذا الاستقرار.
نتيجة لذلك، رفعت المؤسسة نظرتها الإيجابية لأداء الموازنة العامة. وتوقعت المؤسسة تراجع العجز الكلي إلى 6.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتعد هذه النسبة أفضل من تقديرات العام السابق التي بلغت 7 في المائة.
وفي المقابل، وصف صندوق النقد الدولي أداء مصر المالي بأنه قوي جداً. وأشار الصندوق إلى تجاوز مستهدفات الفائض الأولي والإيرادات الضريبية بنهاية مارس 2026. وتحقق ذلك بفضل تعبئة الإيرادات المحلية وبقاء الإنفاق ضمن الحدود الآمنة للموازنة.
وبناءً على ذلك، يتوقع الصندوق ارتفاع الفائض الأولي إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. كما ستشهد نسبة الضرائب للناتج المحلي زيادة بنحو 1.2 نقطة مئوية هذا العام.
من ناحية أخرى، تتوقع مؤسسة «BMI» خفض أسعار الفائدة بنحو 400 نقطة أساس خلال عام 2027. ونتيجة لذلك، ستتقلص تكلفة خدمة الدين العام بشكل أكبر. ويعد معظم الدين المصري مقوماً بالجنيه وقصير الأجل، حيث يمثل الدين المحلي 75 في المائة من الإجمالي. وبالتالي، تستجيب تكلفة الاقتراض سريعاً لتراجع أسعار الفائدة.
وعلى صعيد الدين العام، تشير التوقعات إلى انخفاضه إلى 72.2 في المائة من الناتج المحلي. ويمثل هذا التراجع مساراً نزولياً مستمراً منذ بلوغه الذروة عند 95.4 في المائة عام 2023. ويعود الفضل في ذلك إلى تحسن النمو وجهود الحكومة لإطالة آجال استحقاق الديون.
ومع ذلك، يحذر التقرير من مخاطر اتساع العجز في حال عودة أسعار النفط أو الفائدة للارتفاع. ولكن في المقابل، فإن تسريع برنامج الطروحات الحكومية وبيع الأصول سيضمن توفير إيرادات إضافية تدعم المالية العامة.
علاوة على ذلك، توصلت مصر وصندوق النقد إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة. ويمهد هذا الاتفاق لصرف نحو 1.6 مليار دولار فور موافقة المجلس التنفيذي للصندوق.
وبالتالي، يرتفع إجمالي التمويلات المصروفة لمصر بموجب البرنامج إلى نحو 7.2 مليار دولار. ويأتي هذا بعد نجاح المراجعات السابقة ورفع قيمة التمويل الإجمالي من 3 مليارات إلى 8 مليارات دولار في مارس 2024 لتفادي آثار التوترات الإقليمية.
الصناعة المصرية… ودور الدولة في الإصلاح الهيكلي
بناءً على المعطيات السابقة، يتبقى للاقتصاد المصري حزمة من الإجراءات الإصلاحية والهيكلية. وتستهدف هذه الخطوات ترسيخ دور القطاعات الصناعية والإنتاجية في الاقتصاد الكلي. ونتيجة لذلك، سيتم توفير الاحتياجات الأولية للسلع وتقليل الضغط على فاتورة الاستيراد والنقد الأجنبي.
وفي هذا الصدد، ظهر وزير الصناعة المصري خالد هاشم بتصريحات قوية وغير اعتيادية. حيث وضع الوزير يده على النقاط المسكوت عنها في القطاع بشكل مباشر. وأبرز تلك النقاط أن الميزان التجاري لـ 12 مجلساً تصديرياً يعد سلبياً.
وبناءً على ذلك، وعد الوزير بتعديل هذا الوضع الهيكلي أولاً. ويسعى القطاع للوصول بالصادرات المصرية إلى 100 مليار دولار سنوياً مقارنة بـ 48 مليار دولار حالياً.
وفي النهاية، جدد صندوق النقد تأكيده على ضرورة تسريع الإصلاحات الهيكلية لدعم نمو القطاع الخاص. ويشمل ذلك تحسين بيئة الأعمال وضمان تكافؤ الفرص وتعزيز الشفافية.
بالإضافة إلى ذلك، يعد التنفيذ السريع لوثيقة سياسة ملكية الدولة عاملاً أساسياً لخلق الوظائف. وبالفعل، أكدت تقارير دولية أن مبيعات مصر الأخيرة للأصول استوفت أهداف الصندوق تماماً، مما يمهد الطريق لمزيد من الاستقرار الاقتصادي.
إقرأ أيضاً: اقتصاد مصر يتخطى الصعاب… و«وثيقة ملكية الدولة» قد تدفع لنمو 7 %



