عندما تتكلم المدافع…يصمت الدبلوماسيون
أعرف هذا المشهد ، رأيته من قبل وقرأت تفاصيله فى أكثر من زمن وفى أكثر من عاصمة
مدفع يطلق وبيان يصدر ، وشعوب تُحبس أنفاسها انتظاراً لما تخفيه الساعات القادمة
واليوم ، يتكرر المشهد نفسه بأبطاله القدامى وأدواته الجديدة : واشنطن وطهران ، وجهاً لوجه مرة أخرى .
لم يكن استئناف الضربات الأمريكية ضد إيران خبراً عابراً يُقرأ فى عجالة ثم يُطوى
إنه إعلان بكل ما تحمله الكلمة من ثقل بأن الهدنة التي ظن كثيرون أنها فرصة لالتقاط الأنفاس
لم تكن سوى استراحة محارب بين جولتين من صراع لم ينته أصلاً .
أقولها بصراحة من عرف كواليس السياسة والحرب معاً : الشرق الأوسط لا يعيش اليوم مجرد مواجهة عسكرية
بين طرفين ، إنه يعيش لحظة تُعيد فيها القوى الكبرى والصغرى معها ، ترتيب أوراقها على طاولة
لم يجف عليها الحبر بعد . فكل صاروخ يُطلق لا يحمل رأساً متفجراً فحسب ، بل رسالة سياسية مشفرة
وكل غارة تعيد رسم خرائط النفوذ فى واحدة من أكثر بقاع الأرض اشتعالاً وحساسية .
تقول واشنطن إنها تحمى الملاحة الدولية وتردع تهديدات طهران ، وتقول طهران إن ما يجرى عدوان
صريح يستوجب الرد ، وبين الروايتين المتناقضتين تتكدس البوارج الحربية فى مياه الخليج
وتعلو صفارات الإنذار ، ويعود مضيق هرمز – ذلك الشريان الذى يغذى اقتصاد العالم بالنفط – ليتصدر نشرات الاقتصاد قبل نشرات الحرب ، وتفيد تقارير رويترز بأن تجدد القتال أربك بالفعل حركة الملاحة ، ورفع من مخاوف أسواق الطاقة فى مختلف أنحاء العالم .
والسؤال الذى يشغلنى وينبغى أن يشغل كل قارئ واعٍ ليس : من أطلق الشرارة الأولى ؟
فهذا سؤال المؤرخين لا سؤال السياسيين ، السؤال الحقيقى هو : إلى أين يسير قطار هذا التصعيد
وهل ثمة من يملك زمامه ؟
ولستُ أزعم أن الإجابة يسيرة ، فالإدارة الأمريكية تعرف جيداً أن حرباً شاملة مع إيران فاتورتها باهظة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً ، وطهران تدرك بدورها أن مواجهة مفتوحة مع أقوى جيش في العالم قد تضع كيان الدولة نفسها على المحك ، ولذا يبدو الطرفان اليوم كمن يمشى على حافة هاوية ، يرفع كل منهما سقف القوة ، دون أن يجرؤ أحدهما على القفز الكامل فيها .
لكن التاريخ ، وهو معلمى الأول ، يُلقننا درسًا لا يُنسى : الحسابات السياسية كثيراً ما تُخطئ حين تصطدم بالحسابات العسكرية على أرض الواقع ، صاروخ واحد يخطئ هدفه ، أو ضربة تُسفر عن خسائر تفوق التوقعات ، قد تكفى وحدها لتحويل مناوشة محدودة إلى حريق إقليمى يصعب إخماده .
والخاسر الأول ، كما علمتنا كل الحروب من قبل ، لن يكون جنرالاً فى مقر قيادته ، ولا سياسياً خلف مكتبه ، الخاسر الأول كما كان دائماً هو الإنسان البسيط ، فارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وهروب الاستثمارات ، كلها فصول تبدأ في بورصات المال لكنها تنتهى لا محالة على موائد المواطنين ، فى القاهرة كما فى بغداد ، وفى دمشق كما فى طوكيو ولندن .
ولعل ما يميز هذه الجولة عن أخواتها أن أدوات الحرب لم تعد تقتصر على الطائرات والصواريخ وحدها ، فثمة حرب اقتصادية توازيها ، وحرب إلكترونية تخترق صمتها ، وحرب إعلامية يسعى فيها كل طرف لفرض روايته على العالم قبل أن يفرض سيطرته على الأرض .
ويبقى السؤال المعلق فوق رؤوسنا جميعاً : هل تكون هذه الضربات تمهيداً لمفاوضات تُفرض بقوة السلاح ، كما جرت العادة في كثير من حروب هذا العالم ؟ أم أنها ليست سوى فصل جديد في مسلسل صراع لم يعرف الهدوء الحقيقى منذ عقود طويلة ؟
الأيام وحدها ، لا التحليلات ولا التصريحات ، من سيجيب عن هذا السؤال ، لكن المؤكد عندى وعند كل من عاصر أزمات هذه المنطقة ، أن الشرق الأوسط يقف اليوم مرة أخرى عند مفترق طرق خطير ، وأن أى قرار يُتخذ فى واشنطن أو طهران ، لن يبقى أثره حبيس حدود البلدين ، بل سيمتد ليطال الاقتصاد العالمى وأسواق الطاقة وأمن منطقة بأسرها .
وبين هدير الطائرات وصوت البيانات الرسمية الجافة ، يبقى الأمل – ذلك الضيف النادر فى زمن الحروب – مُعَلقاً على أمر واحد : أن تنتصر الحكمة ، قبل أن تفرض الحرب كلمتها الأخيرة .



