حين انتزعت سماعة “البودكاست” سلطة ومكانة سماعة “الطبيب”

قبل أعوام فارطة، كان الطبيب يبني سمعته داخل المستشفى أو عبر مجلة علمية. أما اليوم، فتحول بناء السمعة من منصات التواصل عبر نوافذها المتعددة، في زمن انتزعت سماعة “البودكاست” سلطة سماعة الأطباء حتى باتت تقودهم نحو ما يقال وما لا يقال.
في عصر يمكننا تسميته “اقتصاد المنصات او اقتصاد الانتباه”، إذ لم تعُد السلطة العلمية وحدها تكفي،
فالخوارزمية أصبحت تمنح الأطباء سلطة موازية، وأحياناً أكثر وأقوى.
هذا التحول بات يمثل ظاهرة عالمية، والدراسات المنشورة في مجلات الطب ذائعة الصيت مثل مجلة “الجمعية الطبية الأميركية” (JAMA)،
والمجلة الطبية البريطانية (British Medical Journal)،
تنبهت للأمر مبكراً، وحذرت العامة بدراساتها، “تنبهوا” فالمنصات الرقمية تميل إلى تضخيم المحتوى المثير للجدل حتى إن استند إلى الأطباء،
وكشفت ضمن تحذيراتها عن أن “الرسائل الصحية التي تقدم يقيناً مطلقاً تحقق انتشاراً أكبر من الرسائل التي تعكس التعقيد الطبيعي للطب المبني على الأدلة”،
مما جعل كثيراً من مرتدي المعاطف البيضاء يخلعونها نحو “السماعة السوداء والشهرة والمال” على حساب العلم ودراساته.
شتان بين خوارزميات الطب والبودكاست
ثمة أمران متضادان، يدركهما الأطباء الذين يلهثون خلف “الترند” وخوارزمياته، وهما أن “الطب يقوم على الاحتمالات والتطمين،
بعكس خوارزميات منصات التواصل ومن بينها البودكاست التي تكافئ اليقين والتهويل”، وهذا ما أشارت إليه وحذرت منه دورية “ذا لانسيت” للصحة الرقمية (The Lancet Digital Health)،
فالطبيب الذي يقول “تشير الأدلة إلى… أو للمنتج آثار جانبية” يخسر غالباً أمام الطبيب الذي يعلن جازماً “كل ما تعرفونه خطأ، وأنا لدي اليقين، هذا المنتج مسرطن”،
والتضاد هنا يكمن في أن الأول يتحدث بلغة الطب وعلومه وأبحاثه وأخلاقياته، بينما الآخر يتحدث بلغة المنصة و”ترندها” وخوارزمياتها.
ولهذا تغيّر معيار اختيار الضيوف الأطباء في كثير من برامج البودكاست، فبدلاً من البحث عن صاحب أعلى مؤشر استشهادات علمية أو أكبر إسهام بحثي،
أصبحت الأولوية لمن يجذب الانتباه، بآراء “شعبوية”، قابلة للاقتطاع والرواج، ولمن يثير التعليقات والانقسام، ومن هنا تحول هدف المعرفة والتوعية إلى هدف نسبة المشاهدات.
وهذه المعادلة أنتجت أثراً جانبياً واضحاً، حين تحولت الآراء الفردية إلى حقائق جماهيرية،
كل هذا في ظل غياب محررين علميين يراجعون ما يقال، أو يضعونه في سياقه الأكاديمي.
وهكذا يصبح رأي طبيب واحد، مهما كانت خبرته، أكثر تأثيراً من عشرات التوصيات الصادرة عن الجمعيات الطبية.
وما جعل من لجوء بعض الأطباء إلى منصات التواصل و”بودكاستها” ساحة للإفتاء الطبي، أن ليس هناك رقيب طبي متخصص يقف خلف كل ما يقال، فالحلقة تنتج في ساعة وتبث في بضع ثوان.
الصحة السعودية تشدد… وتحذر
في السعودية مثلاً بدأت الجهات التنظيمية تلتفت إلى هذا التحول، ففي يونيو (حزيران) الماضي شددت “الهيئة السعودية للتخصصات الصحية” على أن عرض التجارب أو الادعاءات الطبية أمام الجمهور يجب أن يكون منضبطاً بالأسس العلمية والضوابط المهنية،
وأن تُناقش الأفكار الجديدة عبر القنوات العلمية المتخصصة، لا عبر منصات التواصل،
محذرة من أن مخالفة أخلاقيات المهنة قد تؤدي إلى إجراءات تأديبية تصل إلى تعليق أو إلغاء العضوية المهنية.
وفي السياق ذاته، استدعت “هيئة تنظيم الإعلام” مقدم وضيف أحد برامج البودكاست بعد ترويجهما لمنتج طبي مخالف،
واستدعت أيضاً مسؤول الجهة الإعلامية المستضيفة،
في إشارة إلى أن المساءلة التنظيمية بدأت تمتد إلى بيئة البودكاست نفسها، لا إلى المتحدثين فقط.
وتعكس هذه التطورات إدراكاً متزايداً، فالخطر لا يقتصر على المعلومات الطبية الخاطئة،
لكنه يحوم حول الطريقة التي تُنتج بها الشهرة الطبية نفسها.
اتهموني بـ”الشعبوية”!
في السعودية واجه البروفيسور السعودي الأكثر نشاطاً فهد الخضيري اتهامه بـ”الشعبوية” بقوله إن الفصل بيني وبينهم هو “المراجع العلمية”،
نافياً أن تكون آراؤه على منصات التواصل مبنية على البحث عن الإثارة.
يرى الخضيري أن بعض “المتعالمين”، على حد وصفه، حاولوا “الصعود على أكتافه” عبر معارضة آرائه،
مستشهداً بالجدل الذي أثاره حديثه عن أخطار بعض الممارسات الغذائية وجراحات السمنة.
وقال إنه عندما دعا إلى تقليل استهلاك القمح للمساعدة في خفض مستويات السكر “ظن الجميع أنني أتكلم بغير العلم ومن أجل الترند”.
كذلك، يواصل الخضيري انتقاد التوسع في عمليات تكميم المعدة، وهي من أكثر آرائه إثارة للجدل،
إذ يوضح أن “معظم من يدافعون عن التكميم يتقاضون 15 ألف ريال على العملية”،
ولهذا يرى أن أراءهم تكون داعمة للعمليات والجراحة لأن ما يقودهم ليس الخواررزميات وحسب، بل تخصصاتهم ومنافعهم.
ويستند في موقفه الرافض لعمليات التكميم إلى اعتقاده بأن المعدة قد تتمدد مع مرور الوقت، بما يسمح بعودة الوزن لدى بعض المرضى.
راتب منصات التواصل يفوق راتب وزير
وفي المقابل، يتهم الخضيري بعض الأطباء باستغلال البودكاست ومنصات التواصل للترويج لمراكزهم الطبية أكثر من اهتمامهم بالتثقيف الصحي،
لكنه يؤكد أنه لا يعارض الظهور الإعلامي في حد ذاته، قائلاً “التوعية واجبة ومطلوبة”، شرط أن تبقى مستندة إلى الأدلة العلمية.
ويقرّ بأن “هناك من يتاجر بالشائعات”، ويقول إن “تغريدة تتضمن شائعة طبية وتحقق نحو 60 ألف مشاهدة قد تدرّ على ناشرها قرابة 50 دولاراً”،
وحدد في حديثه الأطباء الـ”…” (من جنسية عربية) هم أكثر من يقتاتون من تلك الإشاعات الطبية، وقال “دخل منصات التواصل شهرياً تفوق راتب وزير لديهم”.
“رفضت أرباح إكس وإغراءات الشركات”
من جانبه كان آخر اتهام واجهه الدكتور الذي يقدم بودكاست طبياً منذ ثمانية أعوام عبدالعزيز العثمان، أنه “صاحب مزرعة دواجن”،
بسبب انتقاده لنظام الطيبات الذي أوقده الطبيب المصري ضياء العوضي قبل رحيله، وهو النظام الذي يحظر أكل الدجاج والبيض.
العثمان الذي تحدث عن تجربته، يقول حتى أكفي المنتقدين “شماعة دخل الـ’سوشيال ميديا‘ وإثارة الجدل لم أفعّل أرباح منصة إكس ولا أقبل أية إعلانات”.
ويكشف عن حقيقة أن بعض الشركات الطبية دفعت مبالغ وإغراءات مقابل الترويج لمنتجات “المكملات الطبية” لكنه رفض.
العثمان الذي لا يقدم استشارات طبية سوى لمتابعيه، وفق “البايو” الخاص بمنصته،
يرى أن منصات التواصل ليست منصة للنقاشات العلمية، وأن الدراسات لايؤخذ بها.
وعند سؤاله عن من مرجعكم إذاً، قال “المجلس السعودي الصحي” ومراجع البحث العلمي والأدلة الإرشادية الأميركية،
وهي المستودع الأكبر عالمياً التابع للمكتبة الوطنية الأميركية للطب.
59 في المئة من السعوديين يستمعون إلى البودكاست
يبقى القول إن “البودكاست” تحول إلى منصة تصنع الرأي العام في قضايا كثيرة ومعقدة، ومن بينها الطب والصحة.
فمنذ ظهور مصطلح “بودكاست” عام 2004، ثم إطلاق دعمه عبر منصة “آي تيونز” iTunes في 2005،
توسعت الصناعة لتضم اليوم نحو 4 ملايين برنامج وأكثر من 188 مليون حلقة حول العالم.
وفي السعودية تحديداً، وعلى رغم غياب إحصاءات رسمية لعدد البرامج، تشير بيانات “يوغوف” YouGov، وهي شركة بريطانية متخصصة في أبحاث السوق واستطلاعات الرأي وتحليل البيانات،
إلى أن 59 في المئة من السعوديين يستمعون إلى البودكاست بانتظام، مما يفسر تحوله إلى منصة مؤثرة يتنافس فيها الأطباء وصناع المحتوى على جذب الجمهور،
في وقت تحذر الدراسات من أن الخوارزميات كثيراً ما تكافئ الإثارة أكثر من الدليل العلمي
اقراء أيضاً:
بعد صعود بيرنهام.. تحدي ترامب يفرض نفسه على رئيس وزراء بريطانيا المقبل وسط عالم يزداد اضطرابًا



