استطلاع يكشف تحولًا عالميًا.. لماذا باتت الصين تحظى بثقة أكبر من الولايات المتحدة؟

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تشهد صورة الولايات المتحدة على الساحة الدولية تراجعًا ملحوظًا، بينما تواصل الصين تعزيز مكانتها لدى عدد متزايد من دول العالم،
في تحول يعكس تغيرًا أعمق في موازين النفوذ والثقة الدولية. ويستند التقرير إلى نتائج استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث،
أظهر أن الصين باتت تحظى بثقة أكبر من الولايات المتحدة في غالبية الدول التي شملها الاستطلاع، رغم استمرار الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تتفوق في مجالات الحريات العامة.
ويرى التقرير أن هذا التحول لا يرتبط فقط بالاختلاف في القيم السياسية، وإنما أيضًا بتقييم الدول لقدرة كل طرف على إدارة الأزمات وتحقيق الاستقرار.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد المنافسة بين واشنطن وبكين على قيادة النظام الدولي،بالتزامن مع أزمات الشرق الأوسط، والتحولات الاقتصادية، والتسابق في مجالات التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي.
استطلاع يرصد تراجع الثقة في واشنطن
يشير التقرير إلى أن نتائج استطلاع مركز بيو للأبحاث تعكس تغيرًا لافتًا في نظرة كثير من الدول إلى الولايات المتحدة،
حيث أصبحت الصين تحظى بمستوى أعلى من الثقة في غالبية الدول المشاركة، بينما تراجعت صورة واشنطن مقارنة بالسنوات الماضية.
ويؤكد التقرير أن هذا التراجع لا يرتبط فقط بعودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة، بل بدأ قبل ذلك خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن،
بالتزامن مع مواقف واشنطن من عدد من الأزمات الدولية، وعلى رأسها الحرب في الشرق الأوسط.
الحرية ليست العامل الوحيد في بناء الثقة
يلفت التقرير إلى مفارقة مهمة، إذ إن غالبية المشاركين في الاستطلاع ما زالوا يرون أن الولايات المتحدة
تتفوق على الصين في مستوى الحريات وحرية التعبير والممارسات الديمقراطية، إلا أنهم يمنحون الصين ثقة أكبر عندما يتعلق الأمر بالإدارة والاستقرار.
ويرى الكاتب أن الثقة الدولية لا تُبنى على القيم وحدها، وإنما أيضًا على كفاءة إدارة الأزمات والقدرة على اتخاذ قرارات مستقرة،
معتبرًا أن كثيرًا من الدول تنظر إلى الاضطرابات السياسية داخل الولايات المتحدة باعتبارها عاملًا يقلل من الثقة في قيادتها العالمية.
الشرق الأوسط والطاقة يعيدان تشكيل الصورة
بحسب التقرير، ساهمت الحرب الأخيرة مع إيران في تعزيز الانتقادات الموجهة للسياسة الأمريكية، بينما استفادت الصين من صورتها كدولة تركز على الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة.
كما يشير التقرير إلى أن استثمارات بكين الضخمة في مصادر الطاقة المختلفة، سواء التقليدية أو المتجددة، عززت مكانتها لدى العديد من الدول،
في وقت تواجه فيه واشنطن انتقادات بشأن سياساتها في ملفات الطاقة والتغير المناخي.
الذكاء الاصطناعي يدخل سباق النفوذ
لا تقتصر المنافسة بين القوتين على الاقتصاد أو السياسة، بل تمتد أيضًا إلى قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أحد أهم ميادين الصراع الدولي خلال السنوات الأخيرة.
ويشير التقرير إلى أن الصين تراهن على تطوير نماذج أقل تكلفة وأكثر انفتاحًا، بينما تعتمد الشركات الأمريكية على نماذج مغلقة ومرتفعة التكلفة،وهو ما قد يمنح بكين فرصًا أكبر للانتشار في عدد من الأسواق العالمية.
تحولات تمتد إلى حلفاء واشنطن
يرى التقرير أن تراجع الثقة بالولايات المتحدة لا يقتصر على خصومها، بل يشمل أيضًا عددًا من الدول الحليفة،
في مؤشر على اتساع دائرة الشكوك بشأن قدرة واشنطن على قيادة النظام الدولي خلال المرحلة المقبلة.
ومع ذلك، لا تزال بعض الدول، خاصة في محيط الصين، تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مهمًا،
وهو ما يعكس استمرار المنافسة بين القوتين دون وجود حسم واضح في ميزان النفوذ العالمي.
ماذا يعني هذا التحول؟
يعكس هذا التطور تحولًا تدريجيًا في نظرة كثير من الدول إلى مراكز القوة العالمية، حيث لم تعد القوة العسكرية أو السياسية وحدها كافية لبناء الثقة الدولية،
بل أصبحت الكفاءة الاقتصادية، والاستقرار الداخلي، والقدرة على إدارة الأزمات، عوامل رئيسية في تقييم النفوذ العالمي.
ومن المتوقع أن تتواصل المنافسة بين الولايات المتحدة والصين خلال السنوات المقبلة في مجالات التكنولوجيا والطاقة والاقتصاد والدبلوماسية،
مع سعي كل طرف إلى تعزيز صورته الدولية وكسب ثقة مزيد من الدول، في وقت يشهد فيه النظام العالمي تغيرات متسارعة قد تعيد رسم موازين القوى الدولية.
اقراء أيضاً:
زيلينسكي يطيح بقائد الجيش الأوكراني بعد احتجاجات واسعة.. جيل جديد يقود الحرب ضد روسيا



