مريم مصطفى تكتب: مصر تواجه موجة “قتل الأمهات” الأكثر رعبًا في تاريخها الجنائي

جريمة تلو الأخرى، وأم تلو أم، تتوالى المشاهد الدموية التي لا يصدقها عقل، حين تنقلب العلاقة الأقدس في الوجود الإنساني إلى مسرح جريمة، مريم مصطفى تكتب: مصر تواجه موجة “قتل الأمهات” الأكثر رعبًا في تاريخها الجنائي
وتتحول يد الابنة التي احتضنتها الأم يومًا إلى أداة قتل تُنهي بها حياة من أنجبتها
رأس في الفريزر، وأشلاء موزعة داخل حقائب، واعترافات باردة تحكي تفاصيل التقطيع بلا ذرة ندم.. هذا ليس مشهدًا من فيلم رعب، بل واقع تعيشه مصر هذه الأيام.
الجريمة التي فجّرت الصدمة: سيدي بشر

في شارع “العاشر من رمضان” بمنطقة سيدي بشر قبلي شرقي الإسكندرية،
لم يكن أحد من الجيران يتخيل أن الرائحة الكريهة المنبعثة من الشقة رقم 17 هي رائحة جثة إنسان لا طعام فاسد كما ادّعت المستأجرة.
فبعد أيام من التجاهل والتبريرات، تأكدت الشكوك وأُبلغت الشرطة،
لتكتشف قوات الأمن مشهدًا يقشعر له البدن: جثة سيدة مسنة في السبعين من عمرها
مُقطّعة إلى أكثر من عشرة أجزاء، ورأسها في الفريزر.
المتهمة لم تكن سوى ابنة الضحية، محامية تقيم مع والدتها في الشقة ذاتها.
وبمواجهتها بالأدلة، انهارت واعترفت بأن خلافات أسرية متراكمة على مدار سنوات، وانفصالها عن زوجها، وشعورها بسوء معاملة والدتها لها،
دفعتها في مشادة كلامية يوم 17 يونيو الماضي إلى الاعتداء على والدتها بالضرب ثم خنقها حتى فارقت الحياة.
ولم تكتفِ بذلك، بل قضت يومين كاملين في تقطيع الجثمان بسلاح أبيض في محاولة لإخفاء الجريمة،
قبل أن تفر هاربة إلى شقة بمدينة الشيخ زايد بالجيزة، حيث ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليها.
وتباشر النيابة العامة حاليًا التحقيق،
وقد استعجلت تقارير الطب الشرعي لتحديد سبب الوفاة والمدى الزمني لحدوثها.
ليست الأولى.. سلسلة جرائم تتكرر

القضية الأخيرة ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من جرائم مشابهة هزّت الرأي العام المصري في السنوات الأخيرة:
“فتاة بورسعيد” (ديسمبر 2022):واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، حين تورّطت طالبة جامعية تدعى نورهان خليل
، بالاشتراك مع خطيبها، في قتل والدتها بعدما ضبطتهما في وضع مريب داخل غرفة النوم.
خططت الفتاة وخطيبها للجريمة مسبقًا خشية افتضاح أمرهما، واستخدما أدوات متعددة في التنفيذ.
وصدر حكم بإعدام نورهان، فيما أُحيل خطيبها القاصر إلى محكمة الطفل.
وحتى مايو من هذا العام، كانت هناك تطورات قضائية قد تفتح الباب أمام وقف تنفيذ الحكم.
كفر الدوار، البحيرة (أبريل 2025): فتاة أنهت حياة والدتها طعنًا بالسكين،
ثم جلست بجوار الجثة ثلاثة أيام متتالية دون أن تُبلغ أحدًا، في واقعة أشارت التحقيقات إلى احتمال معاناة المتهمة من اختلال عقلي.
جرائم القتل الأسري.. لماذا تتكرر؟
جرائم قتل الأمهات على يد بناتهن ليست ظاهرة معزولة،
بل جزء من نمط أوسع من العنف الأسري الذي بات يتصدر نشرات الحوادث بشكل شبه أسبوعي.
الخلافات المادية، والصراعات على الميراث، والعلاقات العاطفية غير الشرعية،
وتراكم سنوات من سوء المعاملة أو الإهمال العاطفي، كلها عوامل تتكرر كخيط رفيع يربط بين هذه القضايا.

وما يزيد المشهد قتامة أن كثيرًا من هذه الجرائم لا تقف عند حد القتل،
بل تمتد إلى تقطيع الجثث ومحاولات التخلص منها بطرق تنم عن برود أعصاب مقلق،
وهو ما يطرح تساؤلات ملحّة حول الحالة النفسية لمرتكبي هذه الجرائم،
ومدى كفاية آليات الدعم الأسري والنفسي المتاحة قبل أن تنفجر الأزمات في هذا الشكل الدموي.
في انتظار العدالة
تبقى تفاصيل الدوافع الكاملة والمصير القانوني لكل قضية من هذه القضايا رهنًا بما تسفر عنه تحقيقات النيابة العامة وتقارير الطب الشرعي،
فيما يظل السؤال الأكبر معلّقًا في الشارع المصري: كيف تتحول العلاقة الأكثر فطرية وقداسة بين الأم وابنتها إلى مشهد دموي بهذه القسوة؟
وهل نحن بحاجة فعلية لإعادة النظر في منظومة الدعم النفسي والأسري قبل أن تتكرر المأساة مرة أخرى؟



