الاحتياطي الفيدرالي يربك الأسواق العالمية.. أعلى تكلفة اقتراض أمريكية منذ 19 عامًا ومخاوف التضخم تعود بقوة مع تصاعد الحرب على إيران

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فاينانشال تايمز، دخل الاقتصاد الأمريكي مرحلة جديدة من الضغوط بعد قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة للمرة الخامسة على التوالي، في خطوة جاءت رغم تصاعد المخاوف من موجة تضخم جديدة تغذيها الحرب الدائرة مع إيران وارتفاع أسعار النفط. وأثار القرار ردود فعل واسعة في الأسواق المالية، بعدما قفزت عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007، وهو ما يعكس تزايد قلق المستثمرين من أن الضغوط التضخمية قد تستمر لفترة أطول مما كان متوقعًا. كما تعرضت أسواق الأسهم الأمريكية لخسائر ملحوظة، وسط تزايد الشكوك بشأن قدرة السياسة النقدية على تحقيق التوازن بين احتواء التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي، في وقت تتداخل فيه التوترات الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية الداخلية بصورة غير مسبوقة.
الاحتياطي الفيدرالي يتمسك بتثبيت الفائدة رغم تصاعد الضغوط
قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة الأساسية ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 بالمئة، للمرة الخامسة على التوالي، في قرار عكس تمسك البنك المركزي بسياسة الترقب وعدم التسرع في تشديد السياسة النقدية.
وأكد رئيس المجلس، كيفن وورش، أن البنك لن يتراجع عن معركته ضد التضخم، موضحًا أن الارتفاع الكبير في عوائد السندات خلال الأسابيع الماضية أدى بالفعل إلى تشديد الأوضاع المالية، وهو ما اعتبره عاملًا يحد من الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة في الوقت الحالي، رغم استمرار الضغوط التضخمية.
قفزة تاريخية في عوائد السندات الأمريكية
عقب الإعلان عن القرار، ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل ثلاثين عامًا إلى 5.23 بالمئة، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ عام 2007، في إشارة واضحة إلى تنامي مخاوف المستثمرين بشأن مستقبل التضخم والديون الأمريكية.
ويرى المستثمرون أن استمرار ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى موجة تضخم أكثر استدامة، وهو ما يدفع الأسواق إلى المطالبة بعوائد أعلى مقابل الاحتفاظ بالسندات الحكومية، الأمر الذي يرفع تكلفة الاقتراض على الحكومة والشركات والأفراد في آن واحد.
الأسواق تنتقد موقف البنك المركزي
رغم تثبيت أسعار الفائدة، لم تتلق الأسواق القرار بإيجابية، إذ اعتبر عدد من الاقتصاديين والمتعاملين أن الاحتياطي الفيدرالي لم يقدم تفسيرًا مقنعًا لعدم رفع الفائدة في ظل استمرار المخاطر التضخمية.
كما أظهرت وقائع الاجتماع وجود انقسام داخل لجنة السوق المفتوحة، بعدما طالب ثلاثة من أعضاء اللجنة برفع أسعار الفائدة فورًا، وهو ما يعكس تزايد الخلافات داخل البنك المركزي حول أفضل السبل لمواجهة المرحلة الحالية، ويشير إلى احتمال تصاعد النقاشات بشأن السياسة النقدية خلال الاجتماعات المقبلة.
خسائر في الأسهم مع ارتفاع تكلفة الاقتراض
تزامن ارتفاع عوائد السندات مع موجة هبوط قوية في أسواق الأسهم الأمريكية، حيث تعرضت المؤشرات الرئيسية لضغوط كبيرة نتيجة زيادة تكلفة التمويل وتراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
وكانت شركات التكنولوجيا الأكثر تضررًا، نظرًا لاعتماد تقييماتها بدرجة كبيرة على أسعار الفائدة المنخفضة، بينما عززت التطورات الأخيرة مخاوف المستثمرين من استمرار تشديد الأوضاع المالية لفترة أطول، حتى في غياب قرار رسمي برفع الفائدة.
الحرب وارتفاع النفط يعيدان التضخم إلى الواجهة
تزامنت التطورات الاقتصادية مع استمرار التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود وتباطؤ حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما زاد من الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
ويرى عدد من الاقتصاديين أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى انتقال الزيادات في تكاليف الوقود إلى أسعار السلع والخدمات، بما يوسع دائرة التضخم داخل الاقتصاد الأمريكي، خاصة مع استمرار تأثير الرسوم الجمركية والتوسع السريع في استثمارات الذكاء الاصطناعي، اللذين يسهمان أيضًا في زيادة الضغوط السعرية.
هل ينجح الاحتياطي الفيدرالي في استعادة السيطرة؟
أكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي أن البنك المركزي سيواصل اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة معدل التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 بالمئة، بعدما سجل التضخم نحو 4.1 بالمئة في مايو، وهو مستوى لا يزال بعيدًا عن الهدف منذ أكثر من خمس سنوات.
في المقابل، يرى خبراء الاقتصاد أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقيادة البنك المركزي، خاصة مع تزايد الانقسام بين صناع القرار بشأن توقيت رفع أسعار الفائدة، واحتمال استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما قد يفرض على الاحتياطي الفيدرالي خيارات أكثر صعوبة خلال الأشهر المقبلة.
ماذا يعني هذا الحدث؟
يعكس ارتفاع تكلفة الاقتراض الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من عقدين أن الأسواق باتت أقل ثقة في سرعة تراجع التضخم، كما يشير إلى أن المستثمرين يتوقعون استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
وعالميًا، قد يؤدي استمرار هذه التطورات إلى تشديد الأوضاع المالية في العديد من الاقتصادات، وارتفاع تكلفة التمويل، وزيادة الضغوط على الأسواق الناشئة، في حين سيظل مسار أسعار النفط والتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط من أهم العوامل التي ستحدد اتجاه التضخم والسياسة النقدية خلال الفترة المقبلة. وإذا استمرت الحرب وواصلت أسعار الطاقة ارتفاعها، فقد يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه مضطرًا إلى العودة لرفع أسعار الفائدة رغم قراره الأخير بالتثبيت.
إقرأ أيضا:
12 عامًا من الحب.. بيرين سات وكنان يحتفلان برومانسية زواجهما



