وول ستريت تراهن على ثورة جديدة.. تقنية «بلوك تشين» تدخل قلب الأسواق المالية وسط تحذيرات من مخاطر عالمية

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تشهد المؤسسات المالية الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا موجة استثمارات ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية للأسواق المالية اعتمادًا على تقنية «بلوك تشين»، في تحول قد يعيد تشكيل طريقة تداول الأسهم والسندات والأموال خلال السنوات المقبلة. وبعد سنوات من الحذر بسبب ارتباط التقنية بالعملات المشفرة، أصبحت البنوك والبورصات ومديرو الأصول ينظرون إليها باعتبارها أداة لتسريع المعاملات، وخفض التكاليف، وإتاحة التداول على مدار الساعة.
ورغم الحماس المتزايد، يحذر خبراء وصناع سياسات مالية من أن هذه الثورة الرقمية قد تحمل معها مخاطر نظامية غير مسبوقة، إذ يمكن أن تنتشر الأعطال أو الهجمات الإلكترونية بسرعة أكبر من قدرة الجهات الرقابية على احتوائها. وبينما تتسابق المؤسسات المالية لتبني الأصول الرقمية والرمزية، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح «بلوك تشين» في إحداث الثورة الموعودة داخل النظام المالي العالمي، أم تعيد إنتاج أزمات جديدة بصورة أكثر تعقيدًا؟
من الفشل إلى العودة بقوة
يستعرض التقرير تجربة بورصة أستراليا التي حاولت قبل عشرة أعوام تحديث أنظمة التداول باستخدام تقنية «بلوك تشين»، إلا أن المشروع انتهى بخسائر مالية كبيرة بعد مشكلات تقنية وإدارية، ما دفع كثيرين آنذاك إلى التشكيك في جدوى التكنولوجيا.
لكن المشهد تغير بصورة كبيرة، إذ عادت المؤسسات المالية العالمية اليوم للاستثمار بمئات الملايين من الدولارات في مشاريع تعتمد على التقنية نفسها، مستفيدة من تطور الأنظمة الرقابية وتزايد ثقة الجهات التنظيمية في إمكانات التقنية بعيدًا عن الصورة المرتبطة بالعملات المشفرة.
الأصول الرقمية تدخل الأسواق التقليدية
يركز اهتمام وول ستريت حاليًا على ما يعرف بترميز الأصول، وهو تحويل الأصول المالية التقليدية، مثل الأسهم والسندات والنقد والسلع، إلى أصول رقمية يمكن تداولها عبر شبكات «بلوك تشين» على مدار الساعة.
ويؤكد مسؤولون في القطاع المالي أن هذه الخطوة قد تقلل زمن تنفيذ الصفقات من أيام إلى ثوانٍ، كما تسمح بتنفيذ إجراءات تلقائية، مثل توزيع الأرباح أو تسوية المدفوعات، عبر عقود ذكية تعمل دون تدخل بشري، وهو ما يرفع كفاءة الأسواق ويخفض تكاليف التشغيل.
دعم سياسي وتنظيمي يعزز التحول
بحسب التقرير، ساهمت السياسات الأمريكية الجديدة في تسريع تبني التكنولوجيا، بعدما اتجهت الإدارة الأمريكية الحالية إلى تشجيع الابتكار في مجال الأصول الرقمية، بالتزامن مع صدور تشريعات تنظم العملات المستقرة والأسواق الرقمية.
كما بدأت هيئات رقابية في أوروبا وبريطانيا وسنغافورة وغيرها بوضع أطر تنظيمية واضحة، الأمر الذي منح المؤسسات المالية ثقة أكبر للمضي قدمًا في تطوير خدمات تعتمد على «بلوك تشين» دون مخاوف قانونية كبيرة.
البنوك والبورصات تدخل المنافسة
تعمل بنوك ومؤسسات مالية كبرى على تطوير منتجات تعتمد على الأصول الرقمية، بينما بدأت شركات تداول ومنصات استثمار بإطلاق خدمات تتيح تداول الأسهم الرقمية بصورة مستمرة وعلى مدار اليوم.
وتسعى بورصات عالمية إلى إنشاء منصات لتداول الأسهم الرقمية، بحيث تصبح عمليات توزيع الأرباح والتصويت وإدارة حقوق المساهمين مؤتمتة بالكامل، وهو ما قد يمثل تحولًا جذريًا في آلية عمل أسواق المال خلال السنوات المقبلة.
مخاطر لا تزال تثير القلق
ورغم المزايا الكبيرة، يشير التقرير إلى أن المؤسسات الدولية لا تزال تحذر من مخاطر تشغيلية وأمنية قد تصاحب الاعتماد الواسع على «بلوك تشين».
فالأتمتة الكاملة قد تؤدي إلى انتقال الأزمات بصورة أسرع بين الأسواق، كما أن الاعتماد على شبكات عامة قد يزيد من احتمالات الاختراقات الإلكترونية، في وقت لا تزال فيه مسألة التوافق بين الأنظمة المختلفة تمثل تحديًا أمام التوسع الكامل في استخدام الأصول الرقمية.
ماذا يعني هذا التحول؟
يعكس الاتجاه الحالي بداية مرحلة جديدة في تطوير النظام المالي العالمي، إذ لم تعد تقنية «بلوك تشين» مجرد الأساس الذي تقوم عليه العملات المشفرة، بل أصبحت محورًا رئيسيًا في خطط تحديث البنوك والبورصات وشركات إدارة الأصول.
ومن المتوقع أن تتوسع تطبيقات التقنية تدريجيًا مع نضج الأطر التنظيمية وتطوير حلول لمعالجة المخاطر التقنية والتشغيلية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرة المؤسسات المالية والجهات الرقابية على تحقيق توازن بين الابتكار والاستقرار المالي، بما يمنع تحول التكنولوجيا الجديدة إلى مصدر لأزمات مستقبلية.



