بعد أكثر من عقدين على غزو العراق.. كيف أصبحت الصين المستفيد الأكبر من ثروة النفط العراقية؟

وفقًا لتقرير نشره موقع ذا كرادل، لا تزال مقولة إن الغزو الأمريكي البريطاني للعراق عام 2003 كان يهدف إلى السيطرة على النفط العراقي حاضرة بقوة في النقاشات السياسية، إلا أن واقع قطاع الطاقة اليوم يكشف صورة أكثر تعقيدًا. فبينما فتحت الحرب الباب أمام إعادة هيكلة صناعة النفط العراقية ودخول الشركات الأجنبية، لم تنتهِ الأمور بسيطرة الشركات الأمريكية أو البريطانية على الحقول كما كان يُعتقد، بل أصبحت الشركات الصينية اللاعب الأكثر حضورًا في عمليات التطوير والإنتاج داخل العديد من أكبر الحقول النفطية في البلاد. ويرى التقرير أن هذا التحول يعكس تغيرًا في موازين القوة الاقتصادية العالمية، ويبرز اختلافًا واضحًا بين نهج الشركات الغربية التي فضلت الانسحاب من بعض المشروعات، والشركات الصينية التي تبنت استراتيجية تقوم على الاستثمار طويل الأجل وتحمل المخاطر مقابل ضمان موطئ قدم في أحد أهم أسواق الطاقة في العالم.
الحرب أعادت تشكيل قطاع النفط العراقي
يشير التقرير إلى أن الغزو أدى إلى إعادة تنظيم قطاع النفط العراقي وفتح الباب أمام شركات الطاقة العالمية للمشاركة في تطوير الحقول، إلا أن الدستور العراقي حافظ على مبدأ ملكية الدولة للثروات النفطية، واعتمدت بغداد نظام عقود الخدمة الفنية، الذي يسمح للشركات الأجنبية بإدارة عمليات التطوير مقابل رسوم محددة، دون منحها ملكية الاحتياطيات النفطية.
وبحسب التقرير، فإن هذا النموذج التعاقدي لم يكن جذابًا لكثير من شركات النفط الغربية، التي كانت تفضل عقودًا تمنحها حصة مباشرة من الإنتاج والعوائد، وهو ما دفع عددًا منها لاحقًا إلى تقليص وجوده أو الانسحاب من بعض أكبر الحقول العراقية.
انسحاب الشركات الغربية وصعود الشركات الصينية
يستعرض التقرير سلسلة من التغيرات التي شهدها قطاع النفط العراقي خلال السنوات الماضية، حيث غادرت شركات غربية كبرى عددًا من المشروعات، بينما توسعت الشركات الصينية تدريجيًا في إدارة الحقول وتنفيذ أعمال الحفر والهندسة والتطوير.
كما أصبحت شركات الطاقة الصينية شريكًا رئيسيًا في تشغيل وتطوير عدد من أكبر الحقول العراقية، مستفيدة من استعدادها للعمل ضمن شروط تعاقدية أقل ربحية على المدى القصير، مقابل ترسيخ وجودها الاستراتيجي في السوق العراقية على المدى الطويل.
لماذا نجحت الصين حيث تراجعت الشركات الغربية؟
يرى التقرير أن الفارق الرئيسي يكمن في طبيعة الاستراتيجية التي تتبعها الشركات الصينية، إذ تعتمد على دعم حكومي وسلاسل إمداد متكاملة وقدرة أكبر على تحمل المخاطر السياسية والتشغيلية، إضافة إلى قبولها بعوائد أقل مقابل تحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأجل.
في المقابل، تواجه الشركات الغربية ضغوطًا مستمرة من المساهمين لتحقيق أرباح مرتفعة، ما يجعلها أقل استعدادًا للاستمرار في مشروعات ذات عائد محدود أو بيئة تشغيلية معقدة، وهو ما ساهم في تراجع حضورها داخل العراق.
النفط العراقي بين النفوذ المالي والاستثمار الأجنبي
يوضح التقرير أن هيمنة الشركات الصينية على عمليات التطوير لا تعني امتلاكها النفط العراقي، إذ تبقى الاحتياطيات مملوكة للدولة العراقية وفقًا للدستور، بينما تواصل بغداد إدارة القطاع عبر عقود مع الشركات الأجنبية.
وفي الوقت نفسه، يشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بنفوذ مالي مهم من خلال الآليات المرتبطة بعائدات النفط والنظام المالي، وهو ما يمنح واشنطن أدوات تأثير تختلف عن السيطرة المباشرة على الحقول أو الإنتاج.
العراق في قلب التحول العالمي للطاقة
بحسب التقرير، أصبح العراق نموذجًا للتحولات التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي، حيث تتوسع الشركات الصينية في مناطق كانت تاريخيًا ساحة لنفوذ الشركات الغربية، مستفيدة من استراتيجيات استثمار طويلة الأمد ترتبط أيضًا بأمن الطاقة الصيني.
كما يربط التقرير بين هذا التوسع وبين حاجة الصين المتزايدة إلى تأمين إمدادات مستقرة من النفط الخام، في إطار شبكة أوسع من المشروعات والاستثمارات التي تمتد عبر الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا.
ماذا يعني هذا التحول؟ وما السيناريوهات المقبلة؟
يكشف هذا التطور عن تغير تدريجي في خريطة النفوذ داخل قطاع الطاقة العالمي، إذ لم تعد المنافسة تدور فقط حول امتلاك الموارد، بل حول القدرة على الاستثمار طويل الأجل وإدارة المشروعات في البيئات المعقدة. ويشير التقرير إلى أن العراق أصبح ساحة تعكس هذا التحول، مع استمرار ملكية الدولة للموارد مقابل تزايد دور الشركات الأجنبية في عمليات التطوير.
وخلال السنوات المقبلة، قد يستمر الحضور الصيني في التوسع داخل قطاع النفط العراقي إذا واصلت الشركات الغربية تقليص استثماراتها، خاصة في ظل تنامي الطلب الآسيوي على الطاقة. وفي المقابل، سيظل قطاع النفط العراقي مرتبطًا بالتوازنات السياسية والاقتصادية الداخلية، إضافة إلى المنافسة الدولية على النفوذ في واحدة من أكبر الدول المالكة للاحتياطيات النفطية في العالم.



