القوات الجوية الأمريكية تبحث عن مصنع جديد لقطعة أساسية في قاذفة بي-1 بي.. لماذا تحافظ واشنطن على قاذفة عمرها 40 عامًا؟
وفقًا لتقرير نشرته مجلة «نيوز للطيران»، بدأت القوات الجوية الأمريكية تحركًا جديدًا للحفاظ على جاهزية قاذفاتها بعيدة المدى، من خلال البحث عن شركات قادرة على تصنيع لوحة تحكم كهربائية مخصصة لقاذفة «بي-1 بي لانسر».
التي دخلت الخدمة منذ أربعة عقود تقريبًا وما زالت تمثل أحد مكونات القوة الضاربة التقليدية الأمريكية.
وأعلنت وكالة اللوجستيات الدفاعية الأمريكية في 11 أغسطس 2026 طلبًا للحصول على معلومات من الشركات حول قدرتها على إنتاج نحو 11 وحدة من هذه القطعة.
على أن تنتهي المهلة المحددة للرد في 18 أغسطس الجاري. ولا يمثل الإعلان عقد شراء أو تمويلًا مؤكدًا.
وإنما يأتي في إطار دراسة السوق لمعرفة الشركات القادرة على توفير القطعة وتحديد شكل المنافسة المستقبلية على أي عقد محتمل.
وتكشف الخطوة عن تحدٍ متزايد أمام القوات الجوية الأمريكية، يتمثل في الحفاظ على طائرات عسكرية قديمة تعتمد على مكونات لم تعد تُنتج بالوتيرة السابقة.
في وقت تسعى فيه واشنطن إلى الحفاظ على قدراتها بعيدة المدى حتى دخول أجيال أحدث من القاذفات الخدمة.
قاذفة «بي-1 بي».. سلاح من حقبة الحرب الباردة
دخلت قاذفة «بي-1 بي لانسر» الخدمة لدى القوات الجوية الأمريكية عام 1986.
وصممت في الأصل خلال الحرب الباردة لتتمكن من اختراق الدفاعات الجوية السوفيتية بسرعة مرتفعة وعلى ارتفاعات منخفضة.
مستفيدة من أجنحتها المتغيرة الزاوية التي تمنحها قدرة على التكيف مع ظروف الطيران المختلفة.
وتتميز القاذفة بقدرتها على حمل كميات كبيرة من الأسلحة التقليدية، ما جعلها خلال العقود الماضية عنصرًا مهمًا في عمليات الضربات بعيدة المدى.
كما شاركت في مهام عسكرية فوق أفغانستان والعراق وسوريا،.
حيث استفادت القوات الأمريكية من قدرتها على البقاء في الأجواء لفترات طويلة وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف أرضية.
لماذا تبحث واشنطن عن مصنع جديد لقطعة صغيرة؟
رغم أن الطلب يتعلق بنحو 11 لوحة تحكم كهربائية فقط، فإن أهمية الخطوة تتجاوز عدد القطع المطلوب إنتاجها.
لأنها تعكس واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه برامج الطائرات العسكرية القديمة.
وهي اختفاء الشركات أو خطوط الإنتاج التي كانت تصنع مكونات هذه الطائرات في السابق.
ومع مرور عشرات السنين على إنتاج القاذفة، قد تصبح بعض المكونات صعبة الحصول عليها بسبب توقف الشركات الأصلية عن تصنيعها أو خروجها من سوق الصناعات الدفاعية؟
وهو ما يدفع وزارة الدفاع الأمريكية إلى البحث عن موردين جدد قادرين على إعادة إنتاج هذه الأجزاء وفق المواصفات المطلوبة.
تكاليف هندسية لإعادة إنتاج مكونات قديمة
قد تواجه الشركات التي ترغب في تصنيع لوحة التحكم تحديًا إضافيًا يتمثل في الحاجة إلى تنفيذ أعمال هندسية جديدة لإعادة بناء المكون.
خصوصًا في الحالات التي لم تعد فيها خطوط الإنتاج الأصلية متاحة أو أصبحت الوثائق الفنية القديمة غير كافية لإنتاج القطعة بالأساليب الحديثة.
وهذا النوع من العمل يمكن أن يضيف تكاليف هندسية غير متكررة إلى عملية التصنيع، لكنه في المقابل يمنح القوات الجوية فرصة للحفاظ على سلسلة إمداد مستقرة للطائرات القديمة.
بدل مواجهة خطر نقص القطع التي قد يؤدي غيابها إلى تقليص عدد الطائرات القادرة على تنفيذ المهام.
وتبرز هذه المشكلة بصورة أكبر في الطائرات التي تعتمد على مكونات صممت قبل عقود.
إذ لا تكفي المحافظة على هيكل الطائرة ومحركاتها، بل يجب أيضًا ضمان استمرار توافر آلاف القطع الكهربائية والميكانيكية والإلكترونية اللازمة لتشغيلها.
قاعدة «تينكر» محور رئيسي للحفاظ على القاذفة
سترتبط أي أعمال مستقبلية في إطار هذا الطلب بقاعدة «تينكر» الجوية في ولاية أوكلاهوما.
التي تعد مركزًا رئيسيًا لصيانة وإعادة تأهيل قاذفات «بي-1 بي» إلى جانب طائرات عسكرية أخرى.
وتؤدي القاعدة دورًا محوريًا في منظومة الإسناد الفني للقوات الجوية الأمريكية، ولذلك فإن توفير قطع الغيار المطلوبة لا يمثل مجرد عملية شراء روتينية، بل جزءًا من منظومة أوسع.
تهدف إلى إبقاء الطائرات في الخدمة بأعلى مستوى ممكن من الجاهزية التشغيلية.
كما أن البحث عن موردين جدد قد يساعد الجيش الأمريكي على توسيع قاعدة الصناعات القادرة على دعم الطائرات القديمة، بدل الاعتماد على عدد محدود من الشركات الكبرى.
القاذفة «بي-1 بي» وقدرتها على حمل الأسلحة التقليدية
تتمتع «بي-1 بي» بقدرة كبيرة على حمل الأسلحة التقليدية، وهي ميزة جعلتها مختلفة عن أدوار بعض القاذفات الأمريكية الأخرى.
خصوصًا بعد إنهاء قدرتها على حمل الأسلحة النووية في عام 2011 في إطار التزامات الولايات المتحدة بموجب معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية الجديدة مع روسيا.
ومنذ ذلك الوقت أصبحت القاذفة مخصصة للمهام التقليدية، واستفادت القوات الأمريكية من قدراتها في عمليات مختلفة.
حيث يمكنها حمل كميات كبيرة من الذخائر الموجهة وتنفيذ مهام ضربات جوية بعيدة المدى.
ما جعل الحفاظ على جاهزيتها مسألة مرتبطة مباشرة بقدرة الولايات المتحدة على توفير منصات ضاربة إضافية.
ماذا يعني هذا التحرك للقوة الجوية الأمريكية؟
يعكس طلب تصنيع لوحة التحكم مشكلة أكبر من مجرد توفير قطعة غيار، وهي كيفية المحافظة على أسطول من الطائرات التي تجاوز بعضها عدة عقود من الخدمة.
خصوصًا مع ارتفاع أهمية القاذفات بعيدة المدى في الخطط العسكرية الأمريكية.
ومن الناحية اللوجستية، فإن العثور على موردين جدد لمكونات الطائرات القديمة يمكن أن يقلل من مخاطر توقف بعض الطائرات بسبب قطعة محدودة التوافر.
كما يمنح القوات الجوية خيارات أوسع في إدارة سلسلة الإمداد والصيانة.
أما على المستوى الاستراتيجي، فتشير الخطوة إلى أن الولايات المتحدة لا تعتمد فقط على تطوير طائرات جديدة، بل تحاول في الوقت نفسه إطالة العمر التشغيلي للمنصات الموجودة بالفعل.
بما يسمح بالحفاظ على حجم القوة الضاربة خلال المراحل الانتقالية بين الأجيال المختلفة من القاذفات.
السيناريوهات المتوقعة خلال الفترة المقبلة
من المتوقع أن تستخدم القوات الجوية الأمريكية الردود الواردة من الشركات لتحديد حجم قاعدة الموردين القادرين على تصنيع اللوحة المطلوبة.
ثم تقييم ما إذا كان من الأفضل طرح عقد مستقبلي أمام منافسة واسعة أو تخصيصه لفئة محددة من الشركات.
وقد يؤدي نجاح البحث إلى ظهور مورد جديد قادر على إنتاج المكون المطلوب، وهو ما يمكن أن يدعم استمرارية عمليات صيانة «بي-1 بي» ويقلل مخاطر نقص قطع الغيار مستقبلًا.
وفي المقابل، إذا تبين أن عدد الشركات القادرة على تصنيع القطعة محدود.
فقد تواجه القوات الجوية تحديات إضافية تتعلق بالتكاليف والهندسة وإعادة إنشاء خطوط إنتاج لمكونات قديمة.
وهو ما يوضح حجم التعقيدات التي تصاحب الحفاظ على الطائرات العسكرية بعد عقود من دخولها الخدمة.
موعد انتهاء استقبال ردود الشركات
حددت القوات الجوية الأمريكية الساعة 11:59 مساءً بالتوقيت المركزي في 18 أغسطس 2026 موعدًا نهائيًا لاستقبال الردود.
مع فتح المجال أمام شركات من مختلف الأحجام والفئات للتعبير عن قدرتها على توفير القطعة.
ويشمل ذلك الشركات الصغيرة وشركات مملوكة لقدامى المحاربين من ذوي الإعاقة وشركات تعمل في مناطق تستهدف الحكومة الأمريكية دعم النشاط الاقتصادي فيها.
في إطار توجه أوسع لتوسيع قاعدة الصناعات الدفاعية وعدم حصر عمليات الإمداد في عدد محدود من الشركات الكبرى.
وبذلك، فإن الإعلان الحالي لا يمثل عقدًا جديدًا لتحديث القاذفة، لكنه يكشف عن معركة لوجستية هادئة تجري بالتوازي مع التطوير العسكري؟
عنوانها الحفاظ على جاهزية قاذفة استراتيجية قديمة عبر ضمان استمرار إنتاج مكوناتها الأساسية.



