الأمم المتحدة أمام اختبار مصيري.. من يقود المنظمة لإنقاذها من شبح التراجع؟

وفقًا لتقرير نشرته فاينانشيال تايمز، تدخل المنافسة على منصب الأمين العام للأمم المتحدة مرحلة حاسمة، في وقت تواجه فيه المنظمة الدولية واحدة من أصعب فترات تاريخها الحديث، وسط تراجع نفوذها السياسي، وتزايد الخلافات داخل مجلس الأمن، وأزمة مالية تضغط على مؤسساتها ووكالاتها المختلفة.
ويأتي السباق لخلافة أنطونيو جوتيريش في ظل تساؤلات متزايدة حول مستقبل الأمم المتحدة وقدرتها على أداء الدور الذي تأسست من أجله، خصوصًا في ظل عجزها عن لعب دور مؤثر في عدد من الحروب والأزمات الكبرى.
ويواجه الأمين العام المقبل مهمة معقدة تتمثل في استعادة ثقة الدول الأعضاء، وإحياء دور الأمم المتحدة كوسيط دولي، إلى جانب تنفيذ إصلاحات داخلية وإعادة ترتيب أولويات المنظمة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمريكية والروسية والصينية على النظام الدولي.
أزمة غير مسبوقة تضرب نفوذ الأمم المتحدة
تواجه الأمم المتحدة أزمة متشعبة لا تقتصر على مجلس الأمن، بل تمتد إلى قدرتها على التأثير في ملفات الأمن والتنمية وحقوق الإنسان، وهي الركائز الأساسية التي قامت عليها المنظمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ويعد الجمود داخل مجلس الأمن من أبرز مظاهر هذه الأزمة، بعدما أدت الخلافات بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا والصين، إلى تراجع قدرة المجلس على اتخاذ قرارات حاسمة بشأن العديد من النزاعات الدولية.
كما تراجعت مكانة الأمم المتحدة كوسيط في أزمات كبرى، بينما ظهرت تجمعات دولية أخرى تنافسها على لعب دور في صياغة القرارات الدولية، الأمر الذي يثير مخاوف من تحول المنظمة تدريجيًا إلى مؤسسة أقل تأثيرًا في النظام العالمي.
أزمة مالية وإصلاحات مؤجلة
لا تواجه الأمم المتحدة أزمة سياسية فقط، إذ تعاني المنظمة أيضًا من ضغوط مالية متزايدة بعدما خفضت الولايات المتحدة ودول أخرى تمويلها، وهو ما انعكس على برامج المنظمة ووكالاتها المختلفة وأدى إلى تقليص آلاف الوظائف.
وكان أنطونيو جوتيريش قد أطلق خطة لإصلاح الأمم المتحدة بمناسبة مرور ثمانية عقود على تأسيسها، إلا أن الخطة اصطدمت بمقاومة داخلية ومشكلات تتعلق بطريقة تنفيذ التخفيضات وإعادة هيكلة المؤسسات.
ويرى مسؤولون داخل المنظمة أن بعض الانتقادات الموجهة إليها تتعلق بمشكلات حقيقية، من بينها تداخل اختصاصات بعض البرامج والوكالات، وهو ما يجعل الإصلاح ضرورة وليس مجرد استجابة لضغوط سياسية خارجية.
سبعة مرشحين في سباق شديد الحساسية
دخل سبعة مرشحين المنافسة على منصب الأمين العام الجديد، وتشير نتائج الجولة الاستطلاعية الأولى داخل مجلس الأمن إلى تقدم ريبيكا جرينسبان، التي حصلت على أكبر عدد من الأصوات المشجعة.
وجاءت كارولين رودريجز بيركيت في المرتبة الثانية، بينما حل رافائيل جروسي في المركز الثالث، في حين تراجعت فرص أربعة مرشحين آخرين، هم ماريا فرناندا إسبينوسا، وماكي سال، وأولارا أوتونو، وميشيل باشيليت.
وتحظى المنافسة بأهمية خاصة لأن العرف داخل الأمم المتحدة يشير إلى أن منصب الأمين العام ينتقل في هذه المرحلة إلى مرشح من أمريكا اللاتينية، بينما قد تصبح جرينسبان أول امرأة تتولى قيادة المنظمة إذا نجحت في الوصول إلى المنصب.
مجلس الأمن يملك الكلمة الأخيرة
رغم مشاركة الدول الأعضاء في العملية السياسية، فإن القرار النهائي بشأن الأمين العام يمر عبر مجلس الأمن، وتملك الدول الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، قدرة حاسمة من خلال حق النقض.
وتجعل هذه الآلية المنافسة أكثر تعقيدًا، لأن حصول المرشح على دعم واسع من الجمعية العامة لا يضمن وصوله إلى المنصب، بينما يمكن لاعتراض دولة دائمة العضوية أن يعرقل ترشحه بالكامل.
ويظل الموقف الأمريكي عاملًا شديد الأهمية في السباق، خصوصًا أن واشنطن لعبت في مراحل سابقة دورًا مؤثرًا في حسم هوية الأمين العام، وهو ما يجعل توجه الإدارة الأمريكية الحالية أحد أبرز المتغيرات التي قد تعيد ترتيب فرص المرشحين.
القائد المقبل أمام مهمة إنقاذ المنظمة
يرى مسؤولون وخبراء سابقون أن التحدي الرئيسي أمام الأمين العام الجديد لن يكون مجرد إدارة الجهاز البيروقراطي الضخم للأمم المتحدة، وإنما استعادة قدرتها على الوساطة في النزاعات الدولية وإثبات أن المنظمة لا تزال قادرة على تقديم حلول للأزمات.
وتبرز الوساطة باعتبارها المجال الذي يمكن للأمين العام من خلاله استعادة جزء من نفوذ الأمم المتحدة، خاصة أن نجاح المنظمة في التوسط لإنهاء بعض النزاعات أو تخفيف حدتها قد يمنحها أهمية عملية أكبر من أي إصلاح إداري داخلي.
لكن المهمة ستكون صعبة، لأن قدرة الأمين العام على التحرك تظل مرتبطة بإرادة الدول الكبرى، خصوصًا الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، ما يعني أن نجاح أي قيادة جديدة لن يعتمد على شخص الأمين العام وحده.
ماذا يعني الصراع على قيادة الأمم المتحدة؟
يعكس السباق الحالي أزمة أعمق من مجرد البحث عن خليفة لأنطونيو جوتيريش، إذ يتعلق مستقبل المنظمة بمدى قدرتها على الحفاظ على موقعها داخل نظام دولي يشهد تغيرًا متسارعًا وتنافسًا متزايدًا بين القوى الكبرى.
ومن المتوقع أن يواجه الأمين العام الجديد ثلاثة ملفات رئيسية، تتمثل في إعادة بناء الثقة السياسية، ومعالجة الأزمة المالية، وإعادة تنشيط الدور الدبلوماسي للأمم المتحدة في النزاعات الدولية.
وقد يكون السيناريو الأول هو نجاح قيادة جديدة في استعادة جزء من نفوذ المنظمة عبر التركيز على الوساطة والمساعدات الإنسانية، بينما يتمثل السيناريو الثاني في استمرار الإصلاحات المحدودة مع بقاء الانقسامات السياسية، بما يؤدي إلى تراجع تدريجي في تأثير الأمم المتحدة.
أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في استمرار الخلاف بين القوى الكبرى وتراجع التمويل الدولي، بما قد يحول المنظمة تدريجيًا إلى إطار أقل قدرة على التأثير في الأزمات الكبرى، رغم استمرار أهميتها باعتبارها المؤسسة الدولية الأكثر شمولًا من حيث العضوية.
وفي المقابل، فإن اختيار أمين عام يمتلك قدرة عالية على التواصل مع القوى المتنافسة، إلى جانب تنفيذ إصلاحات واقعية وتركيز الموارد على الملفات الأكثر إلحاحًا، قد يمنح الأمم المتحدة فرصة لاستعادة جزء من الزخم الذي فقدته خلال السنوات الأخيرة.
إقرأ أيضا:
أسعار حلاوة المولد 2026 في الجيزة.. «اللورد» يستقبل الموسم بتشكيلة كبيرة وأجواء مختلفة



