ابناؤنا امانة…لمن نسلمهم لمن تعطي التصاريح لاقامه صرح تعليمي؟!
في ظل الاهتمام المتزايد بتطوير منظومة التعليم والنهوض بها، يظل هناك سؤال جوهري يفرض نفسه: كيف نختار من نؤتمنه على عقول أبنائنا وشخصياتهم ومستقبلهم؟
فالتعليم ليس مجرد مبنى يحمل اسم مدرسة، وليس مجرد مشروع استثماري أو نشاط تجاري، بل هو بيئة متكاملة تتشكل داخلها أفكار الأطفال والشباب، وتتأثر شخصياتهم بكل من يتعاملون معه، سواء كان معلماً أو إدارياً أو مسؤولاً عن المؤسسة التعليمية.
وتدفعنا بعض الوقائع والمواقف التي تحمل طابعاً أخلاقياً غير مقبول داخل بعض المؤسسات التعليمية، مع التأكيد على عدم إمكانية تعميم ذلك على جميع المدارس، إلى طرح تساؤل مهم حول آليات منح التراخيص التعليمية، ومدى الحاجة إلى مزيد من التدقيق والحرص قبل السماح بإنشاء أي مؤسسة تربوية.
فهل يكفي توافر الشروط الإدارية والمالية فقط لإنشاء مدرسة؟ أم أن الأمر يحتاج إلى نظرة أعمق تشمل أهلية من سيتولى مسؤولية مؤسسة تعليمية، وقدرته النفسية والتربوية والأخلاقية على حمل هذه الأمانة؟
من الطبيعي أن يخضع المتقدم لإنشاء مؤسسة تعليمية لدراسة دقيقة لا تقتصر على الإمكانات المادية أو التجهيزات، بل تمتد إلى تقييم قدرته على تحمل مسؤولية التعامل مع الأطفال والشباب، ودراسة تاريخه وسلوكه ومدى امتلاكه المقومات التي تؤهله لقيادة مؤسسة تصنع أجيال المستقبل.
فكما يتم التدقيق في اختيار من يتولى بعض المواقع الحساسة التي ترتبط بمصالح المواطنين، فإن من يتولى مسؤولية تربية وتعليم الأبناء يستحق بلا شك مستوى أكبر من الفحص والمتابعة، لأن تأثيره لا يقتصر على الحاضر فقط، بل يمتد لعشرات السنوات المقبلة.
ومن هنا يبرز تساؤل آخر: هل يمكن أن تتضمن إجراءات الترخيص مستقبلاً تقييماً أوسع لشخصية القائم على المؤسسة التعليمية، ودراسة سلوكه وقدرته على التعامل السليم مع الطلاب؟ وهل يمكن تعزيز الرقابة بعد منح الترخيص، بحيث لا تكون الموافقة خطوة نهائية ينتهي بعدها دور المتابعة؟
فالمدرسة ليست مكاناً عادياً، ومن يديرها لا يحمل مسؤولية إدارية فقط، بل يحمل مسؤولية إنسانية وأخلاقية كبيرة، فهو يتعامل مع أبناء سيكونون غداً آباء وأمهات وقادة ومؤثرين في المجتمع.
ولهذا تظل الحاجة قائمة إلى متابعة مستمرة للمؤسسات التعليمية من خلال زيارات تقييمية دورية، وبرامج تطوير، ورقابة ميدانية، وزيارات مفاجئة، ومعايير واضحة تضمن استمرار الالتزام بأعلى مستويات الجودة والأمان داخل المدارس.
إن أبناءنا ليسوا مجرد أرقام في سجلات المدارس، بل هم مستقبل الوطن الحقيقي. وما نزرعه في عقولهم وقيمهم اليوم سنراه غداً في شكل مجتمع بأكمله.
ويبقى السؤال الأهم: عندما نمنح ترخيصاً تعليمياً، هل نحن فقط نسمح بإنشاء مدرسة؟ أم أننا نختار شخصاً نضع بين يديه جزءاً من مستقبل وطن كامل؟



