حرائق إندونيسيا تخنق بورنيو.. دخان كثيف يهدد ماليزيا وسنغافورة مع اشتداد ظاهرة «نينيو»
حرائق إندونيسيا تخنق بورنيو.. وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، تواجه إندونيسيا موجة متصاعدة من حرائق الغابات والأراضي في جزيرة بورنيو،
بعدما اجتاحت النيران عشرات الآلاف من الأفدنة في إقليم كاليمانتان،
متسببة في انتشار دخان كثيف عبر الحدود ووصول تأثيراته إلى ماليزيا،
مع وضع سنغافورة في حالة تأهب لمراقبة جودة الهواء.
وتزداد خطورة الوضع مع استمرار موسم الجفاف وتوقع بلوغ ظاهرة نينيو الاستثنائية ذروتها خلال سبتمبر،
بينما يحذر خبراء من أن الظروف الحالية قد تجعل السيطرة على الحرائق أكثر صعوبة خلال الأسابيع المقبلة.
وتشير البيانات الرسمية إلى احتراق نحو 94 ألف هكتار على مستوى إندونيسيا خلال يوليو وحده،
بالتزامن مع ارتفاع حاد في أعداد الأشخاص الذين يراجعون أقسام الطوارئ بسبب مشكلات التنفس في كاليمانتان الغربية.
ومع استمرار الحرائق في مناطق الغابات والأراضي الخثية،
يتحول الدخان إلى أزمة بيئية وصحية إقليمية تتجاوز الحدود الإندونيسية.
حرائق واسعة تخنق سكان كاليمانتان
تعيش مناطق واسعة من كاليمانتان الإندونيسية تحت تأثير دخان كثيف منذ أسابيع،
بعدما امتدت الحرائق إلى مساحات كبيرة من الأراضي،
بينها مناطق تضم غابات مطيرة قديمة، ما أدى إلى تدهور واضح في جودة الهواء.
ويصف سكان محليون الوضع بأنه شديد الصعوبة، إذ أصبحت الرؤية محدودة للغاية في بعض المناطق،
بينما يعاني السكان من استنشاق الدخان بصورة مستمرة،
الأمر الذي يثير مخاوف خاصة على الأطفال وكبار السن والحوامل والأشخاص الذين يعانون من مشكلات تنفسية.
وتسببت الظروف الجوية والبيئية في تعليق بعض الفصول الدراسية،
وسط مطالبات من أولياء الأمور بالتحول إلى التعليم عن بُعد، في محاولة للحد من تعرض الأطفال للهواء الملوث.
ارتفاع حاد في الحالات التنفسية
لا تقتصر تداعيات حرائق إندونيسيا على الأضرار البيئية، إذ بدأت آثار الدخان تظهر بصورة واضحة في القطاع الصحي،
خاصة في كاليمانتان الغربية التي سجلت ارتفاعًا كبيرًا في أعداد المترددين على أقسام الطوارئ.
وبحسب بيانات وزارة الصحة الإندونيسية الواردة في التقرير،
ارتفع عدد الأشخاص الذين يصلون إلى أقسام الطوارئ بسبب أعراض مرتبطة بالجهاز التنفسي إلى نحو خمسة آلاف شخص أسبوعيًا منذ يوليو،
مقارنة بنحو 500 حالة أسبوعيًا خلال النصف الأول من العام.
ويشير هذا الفارق الكبير إلى حجم الضغط الذي تسببه موجة الدخان على السكان والمنظومة الصحية،
خصوصًا مع استمرار تعرض الملايين المحتمل للهواء الملوث لفترات طويلة بدلًا من كونها موجة قصيرة الأجل.
نينيو يزيد صعوبة السيطرة على النيران
ترتبط شدة الحرائق الحالية جزئيًا بالظروف المناخية التي ترافق ظاهرة نينيو الاستثنائية،
والتي يتوقع أن تبلغ ذروتها خلال سبتمبر، بينما قد يستمر موسم الجفاف في المنطقة حتى أكتوبر.
ويرى خبراء أن استمرار الجفاف لفترة أطول يعني انخفاض فرص الحصول على أمطار كافية لإخماد النيران بصورة طبيعية،
خصوصًا أن الأمطار القادرة على المساعدة في إطفاء الحرائق قد لا تصل قبل نوفمبر.
وتزداد المخاوف بسبب ارتباط بعض أشد مواسم الحرائق التي شهدتها إندونيسيا سابقًا بفترات نينيو،
ما يجعل الظروف الحالية مصدر قلق بشأن إمكانية تحول الحرائق إلى أزمة أكبر إذا استمر الجفاف وارتفعت صعوبة عمليات الإخماد.
الزراعة وتدهور الأراضي الخثية في دائرة الاتهام
ترتبط حرائق كاليمانتان سنويًا بممارسات إزالة الغطاء النباتي بهدف تجهيز الأراضي للزراعة،
وخاصة الأراضي المستخدمة في زراعة نخيل الزيت، الذي تعد إندونيسيا أكبر منتج عالمي له.
وتكمن المشكلة بصورة خاصة في الأراضي الخثية، التي تستطيع الاحتفاظ بالمياه بصورة طبيعية عندما تبقى مستويات المياه مرتفعة،
لكن شبكات تصريف المياه التي أنشئت لتجفيف الأراضي وتحويلها إلى مناطق للزراعة أفقدت التربة جزءًا من قدرتها الطبيعية على مقاومة الحرائق.
ويحذر الخبراء من أن حرائق الأراضي الخثية تختلف عن حرائق الغابات التقليدية، لأنها قد تستمر في الاحتراق تحت سطح الأرض،
ما يجعل اكتشافها وإخمادها أكثر صعوبة، كما يؤدي إلى إنتاج دخان كثيف وحاد يفاقم أزمة تلوث الهواء.
الدخان يتجاوز حدود إندونيسيا
تحولت أزمة حرائق الغابات الإندونيسية إلى قضية إقليمية بعدما حملت الرياح الدخان باتجاه دول مجاورة،
خصوصًا ماليزيا، بينما وضعت سنغافورة نفسها في حالة تأهب لمراقبة تداعيات تدهور جودة الهواء.
وشهدت العاصمة الماليزية كوالالمبور مستويات مرتفعة جدًا من تلوث الهواء،
فيما أغلقت قرابة 600 مدرسة في ولاية ساراواك الواقعة على جزيرة بورنيو بسبب الظروف الحارة والجافة.
وأثارت الأزمة تحركًا إقليميًا، إذ اتفقت ماليزيا وبروناي على طرح قضية الدخان العابر للحدود داخل رابطة دول جنوب شرق آسيا، في ظل مخاوف من أن يؤدي استمرار الحرائق إلى تكرار أزمات تلوث الهواء التي أثرت سابقًا في عدة دول بالمنطقة.
جاكرتا تتحرك ضد المتسببين بالحرائق
أمام اتساع الأزمة، أمر الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو السلطات باتخاذ إجراءات ضد الشركات المشتبه في توجيه عمليات إزالة الأراضي المرتبطة بالحرائق، بما في ذلك سحب تراخيص الشركات التي يثبت تورطها.
كما أعلنت الشرطة الإندونيسية توقيف 72 شخصًا يشتبه في إشعالهم حرائق في بورنيو وسومطرة، حيث يواجه معظمهم اتهامات بإحراق الأراضي بصورة متعمدة بهدف تجهيزها للزراعة.
وتشير هذه الإجراءات إلى محاولة الحكومة الانتقال من التعامل مع الحرائق باعتبارها أزمة طارئة إلى محاسبة الجهات التي قد تكون ساهمت في نشوبها، لكن استمرار الانتقادات الشعبية يشير إلى أن بعض السكان يرون أن التحرك الحكومي جاء بعد وصول الأزمة إلى مستويات خطيرة.
حرائق إندونيسيا تعيد مخاوف كارثة 2015
تكشف الأرقام الحالية عن حجم الأزمة، إذ تشير بيانات وزارة الغابات إلى احتراق ما يقرب من 94 ألف هكتار في أنحاء إندونيسيا خلال يوليو وحده، بينما امتدت الحرائق إلى مناطق أخرى مثل سومطرة وبابوا الغربية ولومبوك.
وتعيد هذه التطورات إلى الذاكرة موسم الحرائق الكارثي الذي شهدته إندونيسيا عام 2015 خلال فترة أخرى من ظاهرة نينيو، عندما احترقت مساحات هائلة وتسبب الدخان العابر للحدود في أزمة واسعة بماليزيا وسنغافورة.
ولهذا السبب، ينظر خبراء المنطقة إلى التطورات الحالية باعتبارها اختبارًا لقدرة إندونيسيا على منع تكرار أزمة بيئية وصحية إقليمية، خصوصًا أن موسم الجفاف لم ينته بعد، فيما لا تزال النيران مشتعلة في مناطق مختلفة.
ماذا تعني أزمة الحرائق لإندونيسيا والمنطقة؟
تعني الأزمة أن حرائق الغابات في إندونيسيا لم تعد قضية محلية مرتبطة بخسائر الأراضي فقط، بل أصبحت مشكلة صحية وبيئية عابرة للحدود، خصوصًا عندما تنتقل سحب الدخان إلى الدول المجاورة.
وعلى المستوى الداخلي، يزداد الضغط على الحكومة لحماية السكان ومحاسبة الجهات المتسببة في الحرائق، بينما تحتاج المناطق المتضررة إلى إجراءات تتجاوز إخماد النيران، وتشمل معالجة الأسباب التي تجعل الأراضي أكثر قابلية للاشتعال.
أما إقليميًا، فإن وصول الدخان إلى ماليزيا وسنغافورة وبروناي قد يدفع دول جنوب شرق آسيا إلى زيادة التنسيق بشأن الإنذار المبكر ومراقبة جودة الهواء والحد من الحرائق العابرة للحدود، خصوصًا إذا استمرت الظروف المناخية الجافة.
تأثير الحرائق على البيئة والصحة والاقتصاد
تؤثر الحرائق بصورة مباشرة في صحة السكان بسبب الدخان الكثيف، كما تهدد النظم البيئية للغابات المطيرة والأراضي الخثية التي تمثل جزءًا مهمًا من البيئة الطبيعية في إندونيسيا.
كما يمكن أن تمتد التداعيات الاقتصادية إلى قطاعات مختلفة، من خلال تعطيل الدراسة والعمل، وزيادة الضغط على المؤسسات الصحية، فضلًا عن تأثير تدهور جودة الهواء في النشاط اليومي للمجتمعات المتضررة.
ويزداد الخطر إذا استمرت الحرائق في الأراضي الخثية، لأن السيطرة عليها تتطلب جهودًا أكبر من التعامل مع الحرائق السطحية، ما يجعل الوقاية وإعادة ترطيب المناطق المتضررة أكثر أهمية من الاكتفاء بالتدخل بعد ظهور بؤر النار.
السيناريوهات المتوقعة خلال الفترة المقبلة
يتمثل السيناريو الأول في نجاح السلطات الإندونيسية في احتواء الحرائق خلال الأسابيع المقبلة،
خاصة مع استخدام الطائرات والمضخات والمعدات المخصصة لمكافحة النيران، إلى جانب الإجراءات القانونية ضد المتسببين.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار الجفاف حتى أكتوبر، ما قد يسمح بامتداد الحرائق لفترة أطول وزيادة انتقال الدخان إلى ماليزيا وسنغافورة، خصوصًا إذا تأخرت الأمطار المنتظرة حتى نوفمبر.
ويبقى السيناريو الأكثر خطورة مرتبطًا بتزامن استمرار الجفاف مع توسع الحرائق في الأراضي الخثية، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة صحية وبيئية إقليمية أكبر، ويعيد الضغوط على دول جنوب شرق آسيا لتنسيق استجابة مشتركة وأكثر فاعلية.
اقرأ أيضاً
كندا تتحدى ترامب..اللغة الفرنسية تتحول إلى «خط أحمر» وتشعل مواجهة تجارية مع واشنطن



