العفو العام في لبنان يوسع صلاحيات البرلمان على حساب القضاء
العفو العام في لبنان: تسريح السجناء دون علاج جذور الانهيار القضائي

وفقًا لتقرير نشرته “ذا كريدل”، أقر مجلس النواب اللبناني في الثاني عشر من أغسطس عام 2026 قانونًا للعفو العام قُدّم رسميًا باعتباره خطوة إنسانية.
لمعالجة أزمة الاكتظاظ الخانقة داخل السجون اللبنانية ووضع حد لمعاناة آلاف الموقوفين والمحتجزين. غير أن التدقيق في بنود القانون يكشف أن أثره يتجاوز بكثير الملف الإنساني المعلن، ليطال أسس توقيع.
العقوبات وصلاحية القضاء في تنفيذها، فضلًا عن انعكاساته المباشرة على حقوق الضحايا، ومنظومة الأمن العام، وموقع المؤسسة العسكرية اللبنانية. ويعيد هذا.
التصويت البرلماني إلى الواجهة سؤالًا ظل معلقًا لعقود: هل تتجه بيروت فعليًا نحو بناء منظومة عدالة.
حقيقية ومستقلة، أم أن التسويات السياسية والطائفية ستبقى الأداة الدائمة لإدارة انهيار القضاء بدلًا من إصلاحه؟
سلطة برلمانية واسعة تصطدم باستقلالية القضاء
يمنح النص القانوني اللبناني السلطة التشريعية صلاحية إعلان عفو عام، إذ تنص المادة مئة وخمسون
من قانون العقوبات على حق البرلمان في إسقاط العقوبات الأصلية والفرعية والإضافية بموجب.
تشريع من هذا النوع. غير أن قانون عام 2026 لم يتوقف عند حدود إسقاط العقوبات، بل ذهب إلى إلغاء الملاحقات العامة والدعاوى والأحكام والقرارات القضائية المرتبطة بالجرائم.
المشمولة به. وبهذا، يكون البرلمان قد تدخل مباشرة في عمل أنجزته المحاكم على مدى سنوات، إذ لن تعود الأفعال التي كانت تُعد جرائم يعاقب عليها القانون، أو خضعت.
كذلك للتحقيق من الأجهزة الأمنية، أو صدرت بشأنها أحكام قضائية نهائية، تحمل كامل آثارها العقابية، في سابقة تثير قلقًا واسعًا لدى الأوساط الحقوقية والقانونية.
عندما تتفوق التسوية السياسية على حكم القضاء
صحيح أن الدستور اللبناني يمنح البرلمان صلاحية دستورية لإصدار قوانين العفو العام، إلا أن امتلاك هذه الصلاحية
لا يعني بالضرورة أن ممارستها تأتي دائمًا سليمة أو عادلة. ففي أي دولة
تحترم سيادة القانون، يُفترض أن يضع المشرّع القواعد العامة، فيما يتولى قضاء مستقل تطبيقها على القضايا والمتهمين عبر محاكمات تصون حقوق الدفاع. غير أن إلغاء الملاحقات أو تجريد.
الأحكام من مفعولها يعني عمليًا أن البرلمان يعلو على عمل أنجزته السلطة القضائية، بما يسمح لتسوية سياسية عابرة بأن تطيح بمسارات قانونية.
استغرقت أحيانًا سنوات طويلة من التقاضي والتحقيق، في مشهد يكرّس هيمنة المنطق السياسي على المنطق القانوني.
السجون المكتظة غطاء لأزمة عدالة أعمق
يتيح قانون العفو للدولة اللبنانية تجنّب مواجهة أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بمصير الموقوفين الذين ينتظرون المحاكمة
منذ سنوات دون صدور أحكام بحقهم، وبظاهرة التأجيل.
المتكرر للجلسات، وبتردي الأوضاع داخل المؤسسة السجنية اللبنانية. صحيح أن الإفراج عن هؤلاء قد يخفف الضغط الآني
عن السجون المكتظة، لكن الأسباب البنيوية التي أنتجت هذا الواقع، من بطء التقاضي إلى ضعف.
البنية التحتية القضائية، ستستمر في إنتاج المزيد من الموقوفين مستقبلًا، بينما يُترك ملف الضحايا وحقوقهم في العدالة معلقًا دون أي معالجة حقيقية أو تعويض منصف عمّا لحق بهم من ضرر.
دروس التاريخ: من عفو الحرب الأهلية إلى تكرار السيناريو
لم يكن قانون 2026 الأول من نوعه، فلبنان يمتلك سجلًا طويلاً من قوانين العفو العام منذ الاستقلال. فبعد أحداث عام 1958،. صدر في الرابع والعشرين من ديسمبر من العام نفسه قانون شمل
الجرائم المرتكبة حتى الخامس عشر من أكتوبر 1958، تلاه القانون رقم ثمانية وستين
لعام 1969 الصادر في السابع عشر من فبراير، والذي غطّى الجرائم المرتكبة قبل الأول من يناير 1968.
أما السابقة الأبرز فكانت القانون رقم أربعة وثمانين الصادر في السادس والعشرين من أغسطس 1991، والذي منح عفوًا عامًا عن معظم جرائم.
الحرب الأهلية اللبنانية المرتكبة حتى الثامن والعشرين من مارس 1991، بذريعة معلنة هي طي صفحة الحرب.
غياب المحاسبة يكرّس دائرة الإفلات من العقاب
طوى لبنان صفحة الحرب الأهلية دون سرد شامل للحقيقة، ودون محاسبة جدية للمتورطين، ودون تعويض منصف للضحايا،. ودون إصلاح حقيقي للمؤسسات.
التي انخرطت في النزاع أو تعطلت خلاله، وأعقبت ذلك موجة من العفو الخاص بين عامي 1991 و2005 حملت آثارًا.
شبيهة بالعفو العام. وتكشف هذه المسيرة أن العفو .
تحوّل من أداة استثنائية إلى وسيلة حكم متكررة، إذ كلما اختنقت منظومة العدالة وامتلأت السجون، تحرك الزعماء السياسيون والطائفيون للتفاوض.
بينما حول من يُفرج عنه، وحمل كل طرف قضاياه المفضلة إلى طاولة المساومة، محوّلًا القانون إلى أداة أخرى ضمن
منظومة المحاصصة السياسية اللبنانية، حيث يُدرج طرف مقابل إدراج طرف آخر.
قراءة تحليلية: ماذا يعني هذا القانون ولماذا يهم المنطقة
يعكس البرلمان إقرار قانون العفو العام في هذا التوقيت استمرار النهج اللبناني في إدارة الأزمات بدلًا من حلها
و من ثم جذريًا، وهو نمط قد يتكرر كلما بلغت أزمة السجون أو الانقسامات السياسية.
ذروتها. فقد ولد القانون الأخير من رحم خلافات ممتدة سنوات حول ملفات شائكة، أبرزها ملف الموقوفين الإسلاميين،. والمدانين بجرائم مخدرات، واللبنانيين الذين.
لجأوا إلى الكيان الإسرائيلي، وفئات أخرى، ولم يتحقق التوافق إلا حين أُدرجت هذه المصالح المتنافسة ضمن تسوية
كذلك شاملة واحدة. عمليًا، يرسّخ هذا الأسلوب هشاشة الثقة بالقضاء اللبناني، وقد ينعكس.
سلبًا على الاستقرار الأمني الداخلي، وعلى صورة لبنان أمام الشركاء الدوليين المعنيين بملفي الإصلاح القضائي ومكافحة الإفلات من العقاب. أما.
السيناريوهات المقبلة، فتتراوح بين استمرار اعتماد العفو كأداة تسوية دورية تكرّس الانهيار القضائي، أو تصاعد الضغط الشعبي والدولي بما يدفع نحو ورشة إصلاح حقيقية.
بينما تشمل استقلالية القضاء وتسريع المحاكمات وضمان حقوق الضحايا، وهو مسار يبقى مرهونًا بموازين القوى السياسية والطائفية الداخلية أكثر من ارتباطه بإرادة إصلاحية فعلية.



