اليمن يحوّل شريان الحياة السعودي في البحر الأحمر إلى خط مواجهة مباشر

وفقًا لتقرير نشرته “ذا كريدل”، تجد المملكة العربية السعودية نفسها اليوم منزلقة مجددًا نحو حرب ظنت أنها طوتها منذ سنوات، بعدما تحولت محاولاتها لفرض توازن عسكري وسياسي جديد في اليمن إلى مواجهة متعددة الجبهات تمتد من الداخل اليمني إلى الحدود السعودية وصولًا إلى أعماق البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وبحر العرب. فبعد أكثر من عقد على انطلاق الحملة السعودية التي بدأت في مارس 2015 على أمل حسم سريع، تواجه الرياض اليوم خصمًا يمتلك ترسانة صاروخية ومسيّرة أكبر بكثير، وخبرة قتالية تراكمت عبر حروب متتالية، وقدرة فعلية على تهديد الممرات المائية التي باتت المملكة تعتمد عليها بشكل متزايد وسط اضطرابات مضيق هرمز.
انهيار الهدنة غير المعلنة وعودة المواجهة المباشرة
ظلت الهدنة غير الرسمية التي كبحت التصعيد المباشر بين الرياض وصنعاء منذ عام 2022 صامدة نسبيًا، إلى أن بدأت بالتفكك في يوليو الماضي، حين تعرض مطار صنعاء لضربات سعودية أعقبتها هجمات صاروخية ومسيّرة يمنية استهدفت مطار أبها. وقد جاء هذا التصعيد في ظل حرب إقليمية أوسع نطاقًا واضطراب حاد في مضيق هرمز، ما ضاعف من وقع كل تحرك يمني ضد الملاحة السعودية. صحيح أن خط أنابيب الشرق والغرب يتيح للمملكة نقل النفط الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع متجاوزًا مضيق هرمز، إلا أن الشحنات المتجهة إلى آسيا تظل مضطرة للمرور جنوبًا عبر باب المندب، وهي النقطة التي وجدت فيها صنعاء أن طريق الهروب الرئيسي للرياض تحول إلى جبهة مكشوفة إضافية.
ثلاث معادلات يمنية تحكم المرحلة الأولى من التصعيد
تصف القوات المسلحة اليمنية المرتبطة بأنصار الله المرحلة الأولى من حملتها عبر ثلاث معادلات مترابطة، أولاها معادلة “حصار مقابل حصار” تمتد عبر الممرات المائية المحيطة باليمن، وثانيتها استهداف التجمعات العسكرية المدعومة سعوديًا وخطوط الإمداد أينما وجدت، وثالثتها الرد المباشر على أي انتهاك للأجواء اليمنية عبر ضرب منشآت استراتيجية داخل الأراضي السعودية. وقد حذرت صنعاء من أن استمرار التصعيد سيفتح الباب أمام مرحلة ثانية تتجاوز مطالب خارطة الطريق المتعثرة ودفع رواتب القطاع العام وفتح الطرق ورفع القيود عن الموانئ والمطارات، لتتحول الأهداف المعلنة نحو إنهاء النفوذ العسكري السعودي في اليمن وسحب الدعم عن التشكيلات الموالية للرياض، وصولًا إلى سيطرة يمنية كاملة على ثروات البلاد النفطية والغازية.
الحصار البحري يقترب من قلب ميناء ينبع الحيوي
أعلنت صنعاء في العشرين من يوليو حظرها البحري، محذرة السفن المتعاملة مع الموانئ السعودية من الاقتراب من المياه الواقعة ضمن مدى القوات اليمنية، ما دفع العديد من الناقلات إلى تغيير مسارها أو سلوك طرق أطول، بينما لجأت سفن مرتبطة بالمملكة إلى إيقاف أنظمة التتبع التقليدية في مراحل معينة من رحلاتها. وجاء هذا التوقيت في غاية الحساسية بالنسبة للرياض، إذ أظهرت بيانات منصة “كبلر” أن سبعة وسبعين بالمئة من صادرات المملكة من النفط الخام والمكثفات البالغة خمسة ملايين وتسعمئة وتسعين ألف برميل يوميًا خلال النصف الأول من يوليو خرجت عبر محطة البحر الأحمر، رغم أن الطاقة الاستيعابية المستدامة لميناء ينبع لا تتجاوز فعليًا أربعة ملايين ونصف إلى أربعة ملايين وسبعمئة ألف برميل يوميًا، وهو رقم أقل بكثير مما توحي به الطاقة الاسمية لخط الأنابيب.
ضربات متلاحقة تصيب الناقلات وتربك خطط الرياض البديلة
كشف المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع أن القوات اليمنية استهدفت بين العشرين من يوليو والتاسع عشر من أغسطس ثماني ناقلات نفط سعودية، خمس منها في البحر الأحمر وثلاث في خليج عدن وبحر العرب، فضلًا عن إجبار ثماني وأربعين ناقلة أخرى على الرجوع عن مسارها. وقد أدى هذا الضغط، حتى دون إغراق سفينة واحدة فعليًا، إلى تغيير مسارات الملاحة ورفع أقساط التأمين وتباطؤ عمليات التسليم، مسجلًا تراجعًا بنسبة أربعين بالمئة في حجم تحميل النفط السعودي من ميناء البحر الأحمر خلال فترة الحصار. وفي محاولة للالتفاف على الأزمة، وجهت الرياض المزيد من شحناتها شمالًا نحو مصر عبر نظام “سوميد”، الذي ارتفعت كمياته المنقولة إلى نحو تسعة وعشرين مليون برميل في يوليو مقارنة بتسعة عشر مليونًا في أبريل، غير أن هذا المسار البديل يظل عاجزًا وحده عن استيعاب كامل الكميات التي كانت تصدر عبر ينبع، بحسب تقديرات الخبراء المختصين بحركة الملاحة العالمية.
استهداف ينبع يقلب حسابات الرياض الاحتياطية رأسًا على عقب
مثّلت الضربة التي استهدفت الناقلة “أمزان” في الرابع والعشرين من أغسطس نقطة تحول خطيرة، حيث أكدت صنعاء إصابة الناقلة السعودية بصاروخ باليستي قبالة ينبع مباشرة، فيما أقرت شركة “بحري” السعودية للشحن البحري بوقوع حادثة للسفينة مع تأكيدها سلامة طاقمها. وأفادت تقارير بريطانية متخصصة بتعرض ناقلة لضربة من مقذوف مجهول على بعد ثلاث وستين ميلًا بحريًا غرب الميناء، ما يعكس انتقال القوات اليمنية من مجرد تهديد طريق الملاحة إلى الاقتراب الفعلي من المحور التصديري الذي بنت عليه الرياض خطتها الاحتياطية لتفادي أزمة هرمز.
جبهة برية موازية تستنزف قوات الرياض وحلفاءها
إلى جانب الضغط البحري، تجدد استهداف مواقع داخل الأراضي السعودية في مقاطعات جيزان ونجران وعسير التي تضم مطارات ومنشآت عسكرية ومرافق حدودية ومنشآت تابعة لشركة أرامكو، فيما وسّع استهداف ينبع البعيدة عن الحدود اليمنية خريطة الأهداف بشكل كبير باعتبارها المحطة الغربية لخط الأنابيب الرئيسي في المملكة. وفي الداخل اليمني، طالت العمليات اليمنية قوافل وتجمعات عسكرية عند معبر الوديعة ومنطقة العبر في حضرموت وصولًا إلى مأرب والساحل الغربي، في محاولة لقطع خطوط إمداد الأسلحة والقوات قبل أن تتمكن التشكيلات المدعومة سعوديًا من التمركز لشن حملة أوسع. كما تركزت أعنف المواجهات حول مأرب، آخر معاقل الشمال خارج سيطرة صنعاء والغنية بالنفط والغاز، ومدينة المخا التي تشكل المركز اللوجستي لقوات طارق صالح المدعومة إماراتيًا.
قراءة تحليلية: إلى أين تتجه المواجهة اليمنية السعودية؟
يكشف هذا التصعيد المتعدد الجبهات عن تحول جوهري في موازين القوة بين صنعاء والرياض، إذ لم تعد المملكة قادرة على حصر تداعيات أي تدخل عسكري داخل الحدود اليمنية، بل باتت مضطرة للدفاع في آن واحد عن آلة الحرب ومصادر تمويلها من العائدات النفطية. ويحمل هذا المسار تداعيات إقليمية خطيرة، إذ يتقاطع مع أزمة مضيق هرمز ليضع الرياض بين فكي كماشة اقتصادية وعسكرية غير مسبوقة، بينما يمنح صنعاء ورقة ضغط استراتيجية متجددة لفرض شروطها التفاوضية. أما السيناريوهات المقبلة، فتتراوح بين توجه سعودي نحو تهدئة مدفوعة بالضغط الاقتصادي المتصاعد وكلفة حماية الملاحة، أو تصعيد إضافي قد يدفع نحو مرحلة ثانية أكثر خطورة تطال بشكل مباشر النفوذ العسكري السعودي في اليمن ومستقبل الثروات النفطية والغازية اليمنية ذاتها.



