صناديق اقتراع تحت الحصار: هل ينجو أول انتخابات فلسطينية منذ عقدين من قبضة الاحتلال؟

وفقًا لتقرير نشرته “ذا كريدل”، تستعد الساحة الفلسطينية لأول استحقاق تشريعي منذ عشرين عامًا، في وقت تتقاطع فيه حسابات داخلية معقدة بين حركتي فتح وحماس مع شروط تفرضها السلطة الفلسطينية قد تستبعد فصائل المقاومة بالكامل من المشهد الانتخابي، وسط تشكيك واسع في قدرة هذا الاستحقاق على النجاة من قبضة الاحتلال الإسرائيلي المتصاعدة. وتكشف اتصالات سرية جارية بين حركة حماس وخصومها التقليديين في تيار الإصلاح الفتحاوي بقيادة محمد دحلان عن محاولة تشكيل قائمة وطنية عريضة، في مسعى غير مسبوق قد يعيد تشكيل خريطة السياسة الفلسطينية ما بعد الحرب على غزة.
حماس تكشف تفاصيل مفاوضات سرية لتشكيل تحالف وطني عريض
كشف الدكتور علي بركة، رئيس دائرة العلاقات الوطنية في حركة حماس، في تصريح حصري لـ”ذا كريدل”، عن تفاصيل مباحثات داخلية تهدف إلى تشكيل تحالف وطني واسع يضم معظم أو كل الفصائل والقوى السياسية والشخصيات الوطنية، بما فيها حركة فتح بقيادة الرئيس محمود عباس. غير أن بركة أقر في الوقت ذاته بأن فتح ترفض المشاركة في أي قائمة وطنية عريضة تضم حماس، وهو ما دفع عدة قوى معارضة نحو خيار المشاركة بدلاً من تكرار سيناريو المقاطعة الذي شهدته الانتخابات السابقة.
مرسوم رئاسي يحدد موعد الانتخابات وسط جدل واسع
أصدر الرئيس محمود عباس في التاسع من يوليو الماضي مرسومًا يحدد الثامن والعشرين من نوفمبر المقبل موعدًا لإجراء الانتخابات التشريعية، وهي الأولى منذ عشرين عامًا، إذ كانت آخر انتخابات قد منحت حماس أغلبية برلمانية قبل أن يتسبب الانقسام الفتحاوي الحمساوي عام 2007 في تقسيم النظام السياسي الفلسطيني بين الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة. ويأتي هذا المرسوم في ظل حرب إبادة مستمرة على غزة تدخل عامها الثالث، وتصعيد غير مسبوق في الضفة الغربية المحتلة، ما أثار انقسامًا حادًا بين من رحّب بعودة صناديق الاقتراع ومن شكك في جدواها الحقيقية.
شروط قانونية تثير مخاوف استبعاد فصائل المقاومة
يشترط قانون الانتخابات المعدّل على المرشحين تأييد البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية والقرارات الدولية ذات الصلة، وهو شرط تحذر الفصائل الفلسطينية ومنظمات حقوقية من إمكانية استخدامه لاستبعاد القوى المتمسكة بخيار المقاومة المسلحة. ويرفض بركة هذه الشروط بشكل قاطع، معتبرًا أنها تستهدف عمليًا إقصاء فصائل المقاومة وتتعارض مع حق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه بحرية، فيما يرى منتقدون آخرون أن هذه الشروط تمثل الثمن اللازم لضمان قبول دولي وتجنب فيتو إسرائيلي محتمل على العملية الانتخابية برمتها.
شبح 2006 يخيم على قرارات السلطة والاحتلال يبقى العائق الأكبر
لا تزال ذكرى انتخابات عام 2006 تخيّم على حسابات صناع القرار في السلطة الفلسطينية، الذين يخشون ليس فقط من حماس بل من تيارات معارضة متنامية داخل فتح نفسها. ويشير بركة إلى أن الرئيس عباس لم يستشر أيًا من الفصائل قبل تحديد موعد الانتخابات، رغم اتفاق القاهرة لعام 2021، مستذكرًا أن قرار إلغاء الانتخابات في التاسع والعشرين من أبريل 2021 جاء هو الآخر بمثابة مفاجأة مباغتة. أما العامل الأكثر حسمًا فيتمثل في الاحتلال نفسه، إذ يرى بركة أنه لا توجد ضمانات من أي طرف بأن الانتخابات ستُجرى بحرية ونزاهة، أو أن المرشحين لن يتعرضوا للاعتقال من قبل قوات الاحتلال، مذكّرًا باعتقال عشرات النواب المنتخبين عام 2006.
انقسام فلسطيني حاد حول جدوى التوقيت الانتخابي
انقسم الرأي الفلسطيني إزاء توقيت هذه الانتخابات بين معسكر يعتبرها “ترفًا” غير مبرر في ظل استمرار الإبادة، ويرى أن الأولوية يجب أن تكون لمواجهة الحرب والتوسع الاستيطاني وتشكيل حكومة وحدة وطنية بدلاً من انتخابات قد تعمّق الانقسام، ومعسكر آخر يتزعمه الدكتور أحمد مجدلاني، الأمين العام للجبهة الشعبية للنضال، الذي يعتبر أن تأجيل الاستحقاق الديمقراطي بذريعة الاحتلال والانقسام لم يعد خيارًا مقبولًا، مؤكدًا أن تآكل شرعية النظام السياسي يجعل اللجوء إلى صناديق الاقتراع ضرورة وطنية لا غنى عنها لإعادة بناء الثقة الشعبية.
قائمة مشتركة تجمع خصومًا تاريخيين تحت سقف واحد
تجري حماس مباحثات لتشكيل قائمة مشتركة مع حركة الجهاد الإسلامي وتيار الإصلاح بقيادة محمد دحلان، إلى جانب التيار الذي يقوده ناصر القدوة، مؤكدًا أن الباب يظل مفتوحًا أمام فتح للمشاركة دون فرض فيتو على أي فصيل. غير أن مدير مركز يبوس سليمان بشارات يبدي حذرًا أكبر، معتبرًا أن الحكم على نضج هذه التحالفات لا يزال سابقًا لأوانه، وأن التقارب بين حماس ودحلان والقدوة ناتج عن حاجة سياسية مؤقتة أكثر منه قناعة راسخة، ما يجعله تحالفًا هشًا في جوهره. ويتهم بركة في المقابل فتح بالتراجع المتكرر عن جلسات حوار مقررة، آخرها اجتماع كان مقررًا في الرابع والعشرين من أغسطس الجاري، معتبرًا ذلك دليلاً على مقاومتها الحقيقية لأي وحدة وطنية فعلية.
غزة خارج سجل الناخبين وسط تعقيدات سياسية ولوجستية
بدأت لجنة الانتخابات المركزية عملية التسجيل الميداني بين الخامس عشر والتاسع عشر من أغسطس الجاري في الضفة الغربية المحتلة فقط، فيما استُثني قطاع غزة بالكامل من هذه العملية، رغم تأكيد اللجنة أن حقوق سكان القطاع الانتخابية تبقى مصونة وأن ترتيبات خاصة ستُعلن لاحقًا دون تحديد آلية واضحة حتى الآن. ويصف المتحدث باسم اللجنة فريد طعم الله العملية في غزة بأنها “معقدة سياسيًا ولوجستيًا”، فيما يحمّل بركة الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية عرقلة تنفيذ اتفاق شرم الشيخ ومنع اللجنة الإدارية من دخول القطاع، مطالبًا بضمانات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية لحماية المرشحين والتجمعات الانتخابية.
ضغوط أمريكية ودولية خلف قرار إجراء الانتخابات
يرى بشارات أن دعوة إجراء الانتخابات لم تنبع من رغبة فلسطينية داخلية، بل جاءت استجابة لضغوط أمريكية وإقليمية تهدف إلى إنتاج قيادة سياسية جديدة تتناسب مع المرحلة المقبلة وتستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع. ويذهب بركة إلى أبعد من ذلك متهمًا عباس بالانصياع لحسابات شخصية وضغوط خارجية، زاعمًا أن الاتحاد الأوروبي هدد بقطع الدعم المالي عن السلطة ما لم يصدر المرسوم الانتخابي، مشيرًا إلى تذبذب عباس المتكرر في تحديد عدد مقاعد المجلس التشريعي بين مئة واثنين وثلاثين ومئتي مقعد خلال أشهر قليلة فقط.
قراءة تحليلية: ماذا يعني هذا الاستحقاق لمستقبل القضية الفلسطينية
يكشف هذا الملف عن معادلة سياسية بالغة التعقيد تتقاطع فيها الحسابات الداخلية الفلسطينية مع الضغوط الأمريكية والأوروبية والاحتلال الإسرائيلي المستمر، ما يجعل مصير هذه الانتخابات مرهونًا بعوامل تتجاوز الإرادة الفلسطينية الخالصة. وتحمل هذه التطورات دلالات مهمة على مستقبل التمثيل السياسي الفلسطيني، خصوصًا إذا نجحت حماس في تشكيل تحالف وطني عريض يعيد رسم موازين القوى داخل منظمة التحرير الفلسطينية نفسها. أما السيناريوهات المقبلة، فتتراوح بين إجراء انتخابات مقيدة ومنقوصة تستبعد فعليًا فصائل المقاومة وتُبقي غزة خارج المعادلة، أو تكرار سيناريو الإلغاء المفاجئ كما حدث عام 2021، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي كعقبة رئيسية تحول دون تحقيق أي استحقاق ديمقراطي فلسطيني حقيقي وحر.



