السلاح والرجل صاحب الخمسة ملايين: إمبراطورية كريستوفر هاربورن العسكرية خلف الداعم الأكبر لحزب فاراج

وفقًا لتحقيق استقصائي نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، يواجه زعيم حزب “الإصلاح” البريطاني نايجل فاراج تساؤلات متصاعدة حول علاقته المالية الوثيقة بالملياردير كريستوفر هاربورن، المقيم في تايلاند، الذي لا يقتصر نفوذه على قطاع العملات الرقمية الذي دافع عنه فاراج علنًا، بل يمتد إلى شبكة معقدة من المصالح التجارية في صناعة الأسلحة والعقود العسكرية حول العالم. ويكشف التحقيق أن هاربورن، الذي يصفه محاموه بأنه شخصية “شديدة الخصوصية”، يرتبط بعدد لافت من ضباط جيش وطياري سلاح جو ومسؤولين عسكريين سابقين، بل وحتى جواسيس سابقين، في شبكة أعمال تثير تساؤلات جدية حول احتمال تضارب المصالح في سياسة الإنفاق الدفاعي التي يتبناها حزب فاراج.
من الغطس البحري إلى شبكة استخباراتية غير معلنة
بدأت علاقة هاربورن بالقطاع العسكري بشكل غير مباشر عام 2006، حين أقرض مبلغ مليون وستمئة ألف جنيه إسترليني لشركة “صبسي ريسورسز” المتخصصة في انتشال المعادن والقطع الأثرية من حطام السفن الغارقة واسترجاع الطائرات المفقودة لصالح الحكومات، قبل أن يتحول إلى أحد مديري الشركة. ومن اللافت أن أحد المديرين الآخرين الذين انضموا للشركة في اليوم ذاته، ديفيد تشارترز، وُصف رسميًا بأنه أحد قدامى موظفي وزارة الخارجية البريطانية، وهو مسمى يُستخدم غالبًا لضباط سابقين في جهاز الاستخبارات السرية البريطانية “إم آي 6″، بل إن أحد المؤتمرات الأمنية وصفه لاحقًا صراحة بأنه “ضابط استخبارات سابق في إم آي 6”. وحين تخلى هاربورن عن مقعده في مجلس إدارة الشركة، حل محله تيم مكليمنت، نائب أدميرال متقاعد حديثًا في البحرية الملكية البريطانية شارك في إغراق الطراد الأرجنتيني “بلغرانو” خلال حرب فوكلاند.
“إيه إم إل غلوبال”: من وقود الطائرات الخاصة إلى عقود البنتاغون
في تلك الفترة نفسها، كان هاربورن يؤسس مشروعه الخاص “إيه إم إل غلوبال”، التي تحولت لاحقًا إلى مقاول عسكري كبير، إذ ضمت منذ البداية شخصيات مرتبطة بالقوات المسلحة، من بينها آرثر نابوليتانو الذي انتقل من التدريب العسكري في ساندهيرست إلى حرس الملكة، ثم خدم لاحقًا في القوات البرية لسلطنة عمان. وتُعد هذه الشركة، المتخصصة في التوسط لتوريد وقود الطائرات النفاثة إلى عملاء حول العالم، عزيزة على قلب هاربورن الذي يحمل رخصة طيار وسبق أن تحطمت به طائرة خفيفة في منطقة سكنية بمقاطعة هامشير، إذ نمت الشركة لتصبح رائدة عالمية في مجالها مع شبكة توريد تغطي أكثر من ألف ومئتي موقع حول العالم.
تحول تدريجي من العملاء المدنيين إلى الجيش الأمريكي
كان عملاء “إيه إم إل غلوبال” في بداياتها من المدنيين فقط، قبل أن تبدأ الشركة تدريجيًا بتوريد الوقود لأكبر مستهلك للوقود الأحفوري في العالم، وهو الجيش الأمريكي. ويكشف الملف الشخصي لنائب رئيس الشركة، سكوت إلدر، أنه عمل عقيدًا سابقًا في سلاح الجو الأمريكي، وعمل في السفارة الأمريكية في بانكوك بين عامي 1996 و2011 كضابط اتصال مع الدولة المضيفة لصالح البنتاغون، قبل أن ينضم إلى “إيه إم إل غلوبال” بُعيد انتهاء عمله الحكومي مباشرة. وبحلول عام 2013، بدأت الشركة تحصل على عقود من البنتاغون لتوريد وقود الطائرات، بدءًا بشحنة صغيرة قيمتها أربعة آلاف دولار إلى الفلبين، لتتصاعد هذه العقود لاحقًا إلى عشرات الملايين سنويًا، وصولاً إلى ما يتجاوز مئة وأربعين مليون دولار إجمالاً بحسب بيانات حكومية أمريكية منشورة.
موقع استراتيجي حساس في شبكة الإمداد العسكري الأمريكي العالمية
تؤكد مواد ترويجية لشريك “إيه إم إل غلوبال” في أيرلندا الشمالية أن الشركة لا تضاهيها أي جهة أخرى في تزويد الجيش الأمريكي بالوقود خارج الحدود الأمريكية، إذ غطت اثنين وستين موقعًا حتى نهاية عام 2025، مع التركيز على تجنيد أفراد عسكريين أمريكيين سابقين وتصور دور مستقبلي للشركة في عمليات الانتشار العسكري الأمريكية والبريطانية والحليفة في أوروبا. ويرى جيري ماكجين، الخبير في مشتريات الدفاع بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، أن الحكومة الأمريكية تدقق بشدة في مثل هذه الشركات قبل التعامل معها، ما يعكس ثقة عميقة يحظى بها هاربورن رغم تقارير سابقة تشير إلى تحفظات مصرفية على بعض معاملاته المالية المرتبطة بالعملات الرقمية.
حصة متنامية في قلب الصناعة الدفاعية البريطانية
توسع نفوذ هاربورن بشكل لافت في القطاع الدفاعي البريطاني منذ أن أصبح أحد أبرز الممولين السياسيين في المملكة المتحدة، إذ بدأ عام 2022 ببناء حصة في شركة “كوينيتيك”، الذراع البحثية السابقة لوزارة الدفاع البريطانية التي خُصخصت في عهد توني بلير، والتي تدير مواقع إطلاق الصواريخ في الهبريدس وتطور قدرات التخفي للغواصات النووية وتصون طائرات “تايفون” المقاتلة التابعة لسلاح الجو الملكي، إضافة إلى تطوير الطائرات المسيّرة والروبوتات التي تعيد تعريف الحرب الحديثة. ويمتلك هاربورن اليوم حصة بنسبة خمسة عشر بالمئة في هذه الشركة تقدر قيمتها بنحو أربعمئة مليون جنيه إسترليني، ليكون بذلك أكبر مساهم فيها، فضلاً عن استثمارات أخرى شملت شركة تطور بدلات قتالية متطورة على غرار “الرجل الحديدي” وحصة في منافس لخدمة “ستارلينك” الفضائية.
تبرعات سخية وسياسة دفاعية قد تخدم مصالح الداعم الأكبر
قدّم هاربورن ثلثي تمويل حزب “الإصلاح”، إضافة إلى هدية غير معلنة بقيمة خمسة ملايين جنيه إسترليني لفاراج شخصيًا تخضع حاليًا للتحقيق من قبل الهيئة الرقابية على أعضاء البرلمان. وقد تضمن برنامج الحزب الانتخابي التزامًا بزيادة الإنفاق الدفاعي وتقديم حوافز وإعفاءات ضريبية لدعم الصناعة الدفاعية البريطانية، وهي سياسات يرى خبير التمويل السياسي سام باور في جامعة بريستول أنها قد تصب في مصلحة “كوينيتيك” وغيرها من استثمارات هاربورن العسكرية، رغم تأكيد الحزب أن هاربورن لم يناقش قط سياسة الإنفاق الدفاعي مع فاراج أو مسؤولي الحزب.
من كييف إلى جزر تشاغوس: مواقف عسكرية متزايدة الجرأة
لم يكتفِ هاربورن بالتمويل المالي، بل تدخل شخصيًا في قضايا عسكرية كبرى، إذ رافق رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون في زيارة إلى أوكرانيا عام 2023 بعد تبرعه له بمليون جنيه إسترليني، والتقى خلالها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مؤكدًا له حماسه الشديد لضرورة دفاع أوروبا عن نفسها. كما أشاد فاراج علنًا بحصة هاربورن الكبرى في “كوينيتيك” واستثماراته العسكرية، فيما تبنى مواقف عسكرية متشددة، من دعوته لانضمام القوات البريطانية للحملة الأمريكية على إيران، إلى سفره على متن طائرة خاصة تابعة لهاربورن احتجاجًا على خطط تسليم جزر تشاغوس، التي تضم قاعدة عسكرية أمريكية بريطانية مشتركة، لموريشيوس.
قراءة تحليلية: ماذا يعني هذا التشابك بين المال والسياسة والسلاح
يكشف هذا التحقيق عن نمط غير مسبوق في السياسة البريطانية، حيث يرتبط أكبر ممول لحزب سياسي صاعد بشبكة استثمارات عسكرية عالمية واسعة، ما يثير تساؤلات جوهرية حول استقلالية القرار السياسي في ملف الإنفاق الدفاعي عن المصالح التجارية الخاصة. ويحمل هذا الملف تداعيات تتجاوز الداخل البريطاني لتطال الثقة العامة في نزاهة التمويل السياسي، خصوصًا في ظل تصاعد النقاش حول زيادة الميزانيات العسكرية الغربية عمومًا. أما على المدى المنظور، فمن المرجح أن يتصاعد الضغط الرقابي والإعلامي على حزب “الإصلاح” لتوضيح طبيعة علاقته بهاربورن، خصوصًا إذا تقدم الحزب في المشهد السياسي البريطاني وباتت سياساته الدفاعية أقرب إلى التطبيق الفعلي، وهو ما قد يفتح الباب أمام مراجعة تشريعية أوسع لقواعد الشفافية في تمويل الأحزاب السياسية.




