زيارة الرئيس الصيني إلى مصر.. شراكة استراتيجية تتوسع من الاقتصاد إلى الأمن والتكنولوجيا
زيارة الرئيس الصيني إلى مصر..وفقًا لتقرير نشرته شبكة سي إن إن بالعربية، تستعد مصر لاستقبال الرئيس الصيني شي جينبينغ في زيارة رسمية تستمر ثلاثة أيام،
في أول زيارة له إلى القاهرة منذ عام 2016، بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين.
وتأتي الزيارة في مرحلة تشهد توسعًا ملحوظًا في العلاقات المصرية الصينية،
خصوصًا في مجالات الاستثمار والتجارة والصناعة والبنية التحتية والطاقة والنقل والتكنولوجيا،
إلى جانب استمرار التعاون العسكري بين البلدين.
ومن المقرر أن يعقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لقاءً مع نظيره الصيني لبحث مستقبل الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وبكين،
وسط توقعات بأن تتصدر الملفات الاقتصادية والاستثمارية والمشروعات المشتركة جدول المباحثات.
كما تحمل الزيارة أبعادًا سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية،
في ظل التطورات الإقليمية المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة والأزمات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا،
بما يجعلها محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية الصينية.
70 عامًا من العلاقات المصرية الصينية
تكتسب زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة أهمية رمزية وسياسية خاصة،
إذ تتزامن مع مرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين عام 1956،
وكانت القاهرة أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
وشهدت العلاقات بين البلدين تطورًا تدريجيًا على مدار العقود الماضية،
وصولًا إلى توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية عام 1999، ثم رفع مستوى العلاقات لاحقًا إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة،
وهو ما وضع أساسًا لتوسيع التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية.
وتأتي الزيارة الحالية في ظل رغبة مشتركة في دفع هذه الشراكة إلى مستويات أكثر ارتباطًا بالاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا،
خصوصًا مع تنامي الحضور الصيني داخل الاقتصاد المصري،
وتوسع المشروعات المشتركة في قطاعات التصنيع والنقل والطاقة والبنية التحتية.
الاستثمارات الصينية تتوسع في مصر
تمثل الاستثمارات الصينية أحد أبرز الملفات الاقتصادية المنتظر بحثها خلال الزيارة، إذ تقدر الاستثمارات الصينية في مصر بنحو 10 مليارات دولار،
بينما وصل عدد الشركات الصينية العاملة في السوق المصرية إلى نحو 3971 شركة حتى نهاية يونيو 2026.
وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن 357 شركة صينية تأسست في مصر خلال النصف الأول من العام الجاري،
بما يعكس استمرار اهتمام المستثمرين الصينيين بالسوق المصرية رغم التحديات الاقتصادية العالمية والإقليمية.
ويتركز جزء مهم من هذه الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس،
خاصة منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري المصرية الصينية في العين السخنة،
التي تضم أكثر من 200 مشروع صناعي وخدمي ولوجستي، باستثمارات تقارب 3.8 مليار دولار.
وتكتسب هذه المنطقة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر لأنها لا تقتصر على جذب رؤوس الأموال،
وإنما ترتبط بتوطين الإنتاج وإنشاء خطوط تصنيع يمكنها الاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر وشبكة الاتفاقيات التجارية التي تربطها بالعديد من الأسواق.
التجارة بين القاهرة وبكين تسجل نموًا لافتًا
شهد التبادل التجاري بين مصر والصين نموًا خلال النصف الأول من عام 2026، إذ ارتفعت الصادرات المصرية إلى الصين إلى نحو 840.8 مليون دولار، مقابل 280.5 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت نحو 199.8%.
وفي المقابل، ارتفعت الواردات المصرية من الصين إلى نحو 10.4 مليار دولار، مقابل 9.1 مليار دولار،
مسجلة زيادة قدرها 14.3%، ليصل إجمالي التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 11.3 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام.
وتكشف هذه الأرقام عن اتساع حجم العلاقات التجارية، لكنها تظهر في الوقت نفسه استمرار الفجوة الكبيرة بين الصادرات المصرية والواردات من الصين، وهو ما يجعل زيادة الصادرات المصرية أحد الملفات الاقتصادية المهمة أمام القاهرة.
وتشمل أبرز الصادرات المصرية إلى السوق الصينية الوقود والزيوت المعدنية، والخضروات والفواكه، والقطن والألياف النباتية،
وفوسفات الكالسيوم، وبعض المنتجات الكيميائية، بينما تتصدر الآلات والأجهزة الكهربائية والميكانيكية والسيارات والحديد والصلب قائمة الواردات.
قناة السويس والصناعة والتكنولوجيا في صدارة التعاون
لا يقتصر التعاون المصري الصيني على التجارة، بل يمتد إلى مشروعات صناعية وبنية تحتية ضخمة،
من بينها مشروعات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس،
التي أصبحت منصة رئيسية لاستقبال الاستثمارات الصينية وتوسيع النشاط الصناعي والتصديري.
ومن أبرز المشروعات الموجودة في المنطقة مجمع شين فينج باستثمارات تصل إلى 1.65 مليار دولار،
ومصنع سايلون للإطارات باستثمارات تتجاوز مليار دولار، ومصنع لونج مارش للإطارات بنحو 190 مليون دولار،
إلى جانب مشروع صيني لإنتاج الزجاج باستثمارات مستهدفة تبلغ 500 مليون دولار.
كما توسعت الشركات الصينية في قطاعات السيارات والإلكترونيات والهواتف والأجهزة المنزلية والطاقة والصناعات الكيميائية والمعدنية، وهو ما يمنح التعاون الاقتصادي بعدًا إنتاجيًا يتجاوز مجرد الاستيراد والتصدير.
ويبرز كذلك التعاون في مجال البنية التحتية، ومن أهم مشروعاته منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة،
التي تنفذها شركة صينية وتضم 20 برجًا، من بينها البرج الأيقوني الذي يبلغ ارتفاعه نحو 385.8 مترًا،
إضافة إلى مشروعات النقل والسكك الحديدية.
الذكاء الاصطناعي والتعاون المالي يفتحان مسارات جديدة
يتجه التعاون المصري الصيني أيضًا نحو مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية،
في ظل الاهتمام المتزايد عالميًا بالاستثمارات المرتبطة بمراكز البيانات والتقنيات الحديثة.
ويرى مسؤولون وخبراء مصريون أن دخول شركات صينية إلى هذه المجالات يمكن أن يدعم قدرة مصر على جذب استثمارات تكنولوجية جديدة، ويساعد في توسيع قاعدة الصناعات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
وفي الجانب المالي، تبرز أهمية اتفاق مبادلة العملات بين مصر والصين بعد تمديده لمدة ثلاث سنوات،
إلى جانب الحديث عن إمكانية توسيع استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات التجارية،
بما قد يساهم جزئيًا في تقليل الاعتماد على العملات الأجنبية في التجارة الثنائية.
كما يمثل انضمام مصر إلى مجموعة بريكس، وفق الرؤية التي طرحها نائب رئيس مجلس الأعمال المصري الصيني،
فرصة لتوسيع آليات التعاون المالي والتجاري بين البلدين، خصوصًا إذا ارتبط ذلك بزيادة حجم التجارة والاستثمارات المتبادلة.
الملفات الإقليمية والتعاون العسكري على طاولة القمة
تحمل زيارة الرئيس الصيني إلى مصر كذلك أبعادًا سياسية تتعلق بالتطورات الإقليمية والدولية،
إذ يُتوقع أن تشمل المشاورات قضايا أمن الملاحة والتجارة الدولية، إلى جانب التطورات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ومن بين الملفات المطروحة الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وأمن مضيق هرمز وباب المندب، واضطراب سلاسل الإمداد،
إضافة إلى الأوضاع في ليبيا والسودان والقرن الإفريقي ولبنان والقضية الفلسطينية.
ويتزامن ذلك مع استمرار التعاون العسكري بين مصر والصين، بما في ذلك التدريب الجوي المشترك «نسور الحضارة 2026»،
وهو ما يعكس اتساع نطاق العلاقات الثنائية من الاقتصاد والسياسة إلى المجالات الدفاعية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن القاهرة تنظر إلى علاقتها مع بكين باعتبارها شراكة متعددة المسارات،
بينما تمنح الصين مصر أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها الجغرافي ودورها في حركة التجارة الدولية وقناة السويس.
ماذا تعني الزيارة؟ وما السيناريوهات المقبلة؟
تعكس زيارة شي جينبينغ إلى مصر رغبة واضحة في دفع العلاقات المصرية الصينية نحو مرحلة أكثر عمقًا،
خصوصًا في ظل ارتفاع الاستثمارات والتبادل التجاري وتوسع التعاون الصناعي والتكنولوجي.
وبالنسبة إلى مصر، يمثل التعاون مع الصين فرصة لجذب استثمارات إنتاجية جديدة، وتوطين بعض الصناعات، وزيادة الصادرات،
والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الصينية، إلى جانب دعم مشروعات البنية التحتية.
أما بالنسبة إلى الصين، فإن موقع مصر الاستراتيجي وقناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها يوفران قاعدة مهمة للاستثمار والإنتاج والوصول إلى أسواق إقليمية ودولية، ما يجعل الشراكة الاقتصادية ذات أهمية تتجاوز حدود البلدين.
ويتمثل السيناريو الأول في الإعلان عن اتفاقيات ومشروعات استثمارية جديدة خلال الزيارة،
خصوصًا في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والنقل، بما يعزز الحضور الاقتصادي الصيني في مصر.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في التركيز على زيادة الصادرات المصرية إلى الصين ومعالجة الاختلال التجاري تدريجيًا،
مستفيدة من التسهيلات الجمركية والفرص المتاحة أمام المنتجات المصرية في السوق الصينية.
ويبقى السيناريو الأوسع مرتبطًا بتحويل الشراكة الاستراتيجية الشاملة إلى مشروعات طويلة الأجل في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتصنيع وسلاسل الإمداد، بالتوازي مع استمرار التنسيق السياسي بشأن أزمات المنطقة وأمن الملاحة الدولية.
وبذلك، لا تبدو زيارة الرئيس الصيني إلى مصر مجرد محطة احتفالية بمناسبة مرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية،
وإنما اختبارًا جديدًا لقدرة القاهرة وبكين على تحويل العلاقات السياسية المتينة إلى شراكة اقتصادية وتكنولوجية أكثر تأثيرًا خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضاً
استقالة تهز مركز أوربان في بروكسل..رواتب متأخرة وأزمة مالية تضرب أبرز مراكز الفكر



