كارني يطالب واشنطن بـ”التصرف بجدية” وسط تصاعد الحرب التجارية بين كندا وأمريكا

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، وجّه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني انتقادات لاذعة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مطالبًا مسؤولي واشنطن بـ”البدء بالتصرف بجدية” وسط تصاعد التوترات التجارية بين البلدين، وذلك قبل أيام قليلة من موعد فرض كندا رسومًا جمركية انتقامية ردًا على الرسوم الشاملة التي فرضها ترامب على السلع الكندية.
كارني يوجه انتقادات حادة لإدارة ترامب
انتقد كارني بشدة المسؤولين الأمريكيين لإهانتهم بلاده، واصفًا هذا السلوك بأنه “لا يليق بمنصبهم”. وأضاف رئيس الوزراء الكندي أن الأمريكيين إذا توقفوا عن نشر “الميمات” الساخرة وإطلاق التلميحات الاستفزازية ومحاولة استعراض القوة، وبدأوا بالتعامل بجدية حقيقية في المحادثات، فإن كندا ستكون مستعدة لخوض تلك النقاشات التجارية.
إعادة تسمية بحيرة أونتاريو تثير غضبًا كنديًا واسعًا
وقّع ترامب الأسبوع الماضي أمرًا تنفيذيًا يوجّه الحكومة الفيدرالية الأمريكية بإعادة تسمية بحيرة أونتاريو لتصبح “بحيرة أمريكا”، وهي خطوة رفضها الكنديون بشكل قاطع واعتبروها استفزازًا سياسيًا واضحًا يعكس حجم التوتر المتصاعد بين البلدين الجارين.
الممثل التجاري الأمريكي يقلل من خطورة الأزمة
في المقابل، قلّل جيمسون غرير، الممثل التجاري الأمريكي وكبير مفاوضي ترامب التجاريين، من الآثار الكارثية المحتملة لحرب تجارية بين الولايات المتحدة وكندا، معتبرًا أن هذا الخلاف يمثل “حالة طوارئ تخص كندا أكثر مما تخصنا”، مؤكدًا أن كندا باتت أكثر ضعفًا بعد انهيار المحادثات الذي مهّد الطريق لفرض رسوم جمركية شاملة بين البلدين الجارين، وقال في تصريح لمنصة “بوليتيكو” إنه لا توجد حاليًا أي مفاوضات تجارية جارية بين البلدين.
رسوم جمركية بنسبة 50% تشعل فتيل المواجهة
جاءت هذه التصريحات بعد أكثر من أسبوع على انهيار المحادثات التجارية بين البلدين، إذ فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية بنسبة خمسين بالمئة على سلع كندية بقيمة عشرين مليار دولار. وردًا على ذلك، أعلنت كندا، ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، عزمها فرض رسوم جمركية انتقامية على سلع أمريكية بالقيمة ذاتها اعتبارًا من الثامن من سبتمبر الجاري، ما يعني أن المواطنين الأمريكيين سيشعرون قريبًا بضغط اقتصادي حقيقي جراء الرسوم المتبادلة، بما في ذلك على السلع اليومية الأساسية.
اتهامات متبادلة حول أسباب انهيار المفاوضات
ألمح غرير إلى أن كندا هي المسؤولة عن تصعيد الحرب التجارية، مصرحًا بأنه ليس من الواضح ما إذا كانت كندا ترغب فعلاً في التوصل إلى اتفاق، مضيفًا أنه إذا كانت كندا ترى أن حظر أو منع السلع والخدمات الأمريكية أمر مقبول، فمن الطبيعي أن تنظر الولايات المتحدة في اتخاذ إجراء مماثل. وأشار غرير إلى أن من بين المطالب الكندية “غير المقبولة” فرض ضرائب أخف على الشاحنات الثقيلة، معتبرًا أن هذا الطلب تحديدًا هو ما أدى إلى انهيار المحادثات التجارية بأكملها.
رواية كندية مختلفة تحمّل البيت الأبيض المسؤولية
على النقيض من الرواية الأمريكية، عزا المسؤولون الكنديون انهيار المفاوضات إلى خلاف داخل البيت الأبيض حول الجهة المسؤولة عن إدارة المحادثات التجارية. كما أشار كارني إلى أن المفاوضين الأمريكيين اعتبروا اللغة الفرنسية المستخدمة في كندا “مصدر إزعاج”، مؤكدًا في المقابل أن هذه اللغة تمثل في مقاطعة كيبيك حقًا أصيلاً لا مجرد خيار.
ترامب يكرر اتهاماته المعتادة لكندا
من جانبه، واصل ترامب في الأسابيع الأخيرة اتهام كندا بالرغبة في الحصول على “مزايا” كونها ولاية أمريكية دون أن تكون كذلك فعليًا، وهو هاجس متكرر لدى الرئيس الأمريكي، مهاجمًا قادة البلاد بشدة وزاعمًا أن كندا فرضت على مدى سنوات طويلة رسومًا جمركية ضخمة على المزارعين الأمريكيين، متعهدًا بوضع حد لذلك.
غموض حول الأسباب الحقيقية لانهيار المحادثات
أشار غرير إلى أن المفاوضات انهارت في أعقاب سوء فهم حول ما كان مطروحًا فعليًا على طاولة النقاش وما لم يكن كذلك، معربًا عن عدم يقينه بشأن ما إذا كان الانهيار ذا طابع سياسي أم اقتصادي، موضحًا أن الخيار لم يكن بين استمرار الرسوم الحالية أو التجارة الحرة الكاملة، بل كان الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
قراءة تحليلية: ماذا تعني هذه الأزمة التجارية لمستقبل العلاقات الأمريكية الكندية
تكشف هذه المواجهة المتصاعدة عن تدهور غير مسبوق في العلاقات بين واشنطن وأوتاوا، الشريكين التجاريين التاريخيين الوثيقين، إذ تجاوزت الخلافات التجارية التقليدية لتصل إلى مستوى الاستفزازات الرمزية كإعادة تسمية بحيرة أونتاريو، وهو ما يعكس تدهورًا في مستوى الخطاب الدبلوماسي بين الجانبين. وتحمل هذه الأزمة تداعيات اقتصادية مباشرة على المستهلكين في كلا البلدين، خصوصًا مع اقتراب موعد تفعيل الرسوم الجمركية الانتقامية الكندية في الثامن من سبتمبر المقبل. أما على المدى المنظور، فتبقى فرص التهدئة مرهونة بمدى استعداد الطرفين للعودة إلى طاولة التفاوض بجدية حقيقية بعيدًا عن الاستعراضات السياسية والاتهامات المتبادلة، في ظل مؤشرات على أن هذه الحرب التجارية قد تطول أكثر مما توقع الطرفان في بداياتها، وسط مقاطعة شعبية كندية متنامية للمنتجات الأمريكية.



