النفط يعيد رسم علاقة واشنطن وفنزويلا.. صفقة ضخمة تفتح باب الهيمنة الأمريكية
النفط يعيد رسم علاقة واشنطن وفنزويلا.. وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، تعود العلاقة بين الولايات المتحدة وفنزويلا إلى واجهة الأحداث من بوابة النفط،
بعدما كشفت التطورات الأخيرة عن تحول عميق في طبيعة النفوذ الأمريكي داخل الدولة اللاتينية الغنية بأكبر احتياطيات نفطية معروفة في العالم.
فبعد عقود من التعاون والصدامات السياسية والعقوبات،
أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقًا يمنح واشنطن سيطرة واسعة على جزء كبير من قطاع النفط الفنزويلي،
في خطوة وصفها البيت الأبيض بأنها تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة الأمريكي ودعم التعافي الاقتصادي في فنزويلا.
لكن الاتفاق أثار في المقابل انتقادات حادة داخل فنزويلا،
وسط مخاوف من أن تتحول الثروة النفطية إلى أداة لإعادة تشكيل مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأنها تأتي بعد اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو في عملية أمريكية،
وبعد سنوات من التوتر بين واشنطن وكاراكاس، ما يجعل النفط مجددًا العامل الأبرز في تحديد مسار العلاقة بين البلدين.
النفط.. العامل الذي حكم علاقة واشنطن بكاراكاس لعقود
تكشف وثيقة أمريكية تعود إلى عام 1950 أن النفط كان منذ وقت مبكر عنصرًا أساسيًا في صياغة السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا،
إذ اعتبرت واشنطن ضمان استمرار تدفق النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة هدفًا مؤثرًا في مختلف قراراتها المتعلقة بكاراكاس.
وخلال الحرب العالمية الثانية، اكتسب النفط الفنزويلي أهمية استراتيجية كبيرة،
بعدما ساعدت إمداداته في توفير الوقود للقوات والسفن والطائرات التابعة للحلفاء.
واستمر التعاون لعقود لاحقة، مع توسع الشركات الأمريكية في قطاع النفط الفنزويلي وتحقيقها أرباحًا كبيرة من عمليات استخراج الخام وتصديره.
لكن هذا النموذج بدأ يتغير بصورة جذرية مع وصول الرئيس الراحل هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999،
بعدما تبنى سياسة اشتراكية ومناهضة للنفوذ الأمريكي، وأعاد توجيه علاقات بلاده نحو قوى مثل الصين وإيران وروسيا.
تشافيز يؤمم القطاع النفطي ويصطدم بالشركات الأمريكية
دخلت العلاقات بين واشنطن وكاراكاس مرحلة أكثر توترًا عندما بدأ تشافيز إعادة صياغة قواعد الاستثمار في قطاع النفط،
وصولًا إلى موجة واسعة من التأميمات عام 2007.
وبموجب السياسة الجديدة، حصلت شركة النفط الحكومية الفنزويلية على حصة الأغلبية في عدد من المشاريع،
بينما أصبحت الشركات الأجنبية مطالبة بالعمل ضمن حصص أقل،
وهو ما دفع شركات أمريكية كبرى إلى اتخاذ مواقف مختلفة تجاه النظام الجديد.
وافقت شركة شيفرون على الاستمرار في العمل وفق الشروط الجديدة،
بينما رفضت شركتا إكسون موبيل وكونوكو فيليبس تلك الترتيبات وغادرتا عمليًا قطاع النفط الفنزويلي.
وأدت النزاعات اللاحقة إلى دعاوى قانونية طويلة، انتهت بحصول الشركتين على أحكام بتعويضات بمليارات الدولارات،
رغم أن فنزويلا لم تسدد كامل تلك المستحقات حتى الآن وفق التقرير.
مادورو يواصل المواجهة.. والنفط يتجه شرقًا
بعد وفاة تشافيز عام 2013، تولى نيكولاس مادورو السلطة وواصل النهج المعادي للولايات المتحدة،
بينما تعمقت علاقات فنزويلا مع روسيا والصين.
وخلال فترة حكم مادورو، تدهورت المؤسسات السياسية والقانونية في البلاد،
وواجهت حكومته اتهامات واسعة بالاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان،
في وقت فرضت فيه واشنطن سلسلة متزايدة من العقوبات الاقتصادية.
وازداد اعتماد فنزويلا على السوق الصينية لتصريف نفطها،
إذ كانت الصين تستقبل نسبة كبيرة من الخام الفنزويلي مقابل ترتيبات مرتبطة بقروض سابقة قدمتها إلى كاراكاس.
وبذلك أصبح النفط جزءًا من شبكة اقتصادية وسياسية أوسع، تتداخل فيها مصالح فنزويلا مع الصين وروسيا،
في مقابل محاولة واشنطن تقليص نفوذ خصومها في واحدة من أهم الدول النفطية في نصف الكرة الغربي.
من العقوبات إلى السيطرة.. واشنطن تصعّد الضغط على مادورو
خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، تصاعد الضغط الأمريكي على حكومة مادورو،
بعدما اتهمته واشنطن بالمسؤولية عن إرسال المخدرات والمجرمين إلى الولايات المتحدة،
وهي اتهامات يشير التقرير إلى أن خبراء شككوا في وجود أدلة كافية عليها.
وفي العام الماضي، أعلنت واشنطن مكافأة مالية قدرها 50 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى مادورو،
بالتزامن مع تصعيد الإجراءات الأمريكية ضد ما وصفته الإدارة بشبكات تهريب المخدرات.
ثم انتقلت الضغوط إلى مستوى أكثر مباشرة،
مع تنفيذ ضربات جوية ضد أشخاص تتهمهم واشنطن بالاتجار بالمخدرات في البحر الكاريبي،
واحتجاز ناقلات نفط فنزويلية، وتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المياه المحيطة بفنزويلا.
وبعد رفض مادورو عرضًا أمريكيًا لمغادرة السلطة،
نفذت القوات الأمريكية في يناير الماضي عملية مباغتة داخل كاراكاس أسفرت عن اعتقاله وزوجته،
لينتقل الصراع من العقوبات والضغوط السياسية إلى مرحلة جديدة أكثر حدة.
صفقة النفط الجديدة.. هل تتحول فنزويلا إلى منطقة نفوذ أمريكية؟
في أعقاب اعتقال مادورو، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى السيطرة على قطاع النفط الفنزويلي،
قبل أن تكشف واشنطن لاحقًا عن اتفاق جديد يمنح الحكومة الأمريكية حقوقًا واسعة في إدارة احتياطيات نفطية ضخمة.
ووصف البيت الأبيض الاتفاق بأنه الأكبر من نوعه في تاريخ النفط، وربطه بهدف تعزيز أمن الطاقة الأمريكي ودفع الاقتصاد الفنزويلي نحو التعافي، إلى جانب دعم انتقال سياسي يفضي إلى نظام أكثر ديمقراطية.
لكن داخل فنزويلا، أثارت الصفقة اعتراضات قوية،
إذ اتهم اقتصاديون بارزون واشنطن باستغلال ضعف البلاد السياسي لفرض ترتيبات تمنحها نفوذًا استثنائيًا على الموارد الطبيعية.
ويعكس هذا الجدل جوهر المرحلة الجديدة؛
فبينما ترى واشنطن أن السيطرة على قطاع النفط يمكن أن توفر الاستقرار الاقتصادي وتعيد تنشيط الإنتاج،
يخشى منتقدون من تحول الاتفاق إلى شكل طويل الأمد من الوصاية الاقتصادية والسياسية.
قراءة تحليلية: ماذا يعني الاتفاق وما السيناريوهات المقبلة؟
يعني الاتفاق، وفق المعطيات الواردة في التقرير،
أن النفط لم يعد مجرد ملف اقتصادي في العلاقة بين الولايات المتحدة وفنزويلا،
بل أصبح محورًا مباشرًا لإعادة تشكيل العلاقة السياسية والاقتصادية بين البلدين.
وتملك فنزويلا احتياطيات نفطية ضخمة، ولذلك فإن امتلاك واشنطن نفوذًا واسعًا على قطاعها النفطي قد يمنح الولايات المتحدة ورقة استراتيجية مهمة في سوق الطاقة،
خصوصًا في مواجهة النفوذ الصيني والروسي داخل البلاد.
إقليميًا، يمكن أن يؤدي الاتفاق إلى إعادة ترتيب موازين القوى في أمريكا اللاتينية،
ويدفع دولًا أخرى إلى إعادة تقييم علاقتها بواشنطن وبالمنافسين الدوليين الذين توسعوا خلال السنوات الماضية في المنطقة.
أما بالنسبة لفنزويلا، فالمسار المقبل سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الترتيبات الجديدة على زيادة الإنتاج وتحسين الاقتصاد،
وعلى مدى قبول المجتمع والقوى السياسية المحلية بالدور الأمريكي المتزايد.
ويبرز سيناريو أول يتمثل في نجاح الاتفاق في جذب الاستثمارات وتحسين إنتاج النفط،
بما قد يمنح كاراكاس موارد مالية جديدة ويساعد على استعادة جزء من نشاطها الاقتصادي.
في المقابل، يبقى سيناريو التصعيد السياسي قائمًا إذا اعتبرت قوى داخلية فنزويلية أن الاتفاق يمثل تنازلًا عن السيطرة على الموارد الوطنية،
وهو ما قد يزيد الضغوط على الحكومة الانتقالية ويعقد مسار التحول السياسي.
وفي جميع الحالات، يبدو أن النفط سيظل العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل العلاقة بين واشنطن وكاراكاس،
لكن حجم المكاسب التي سيحصل عليها الشعب الفنزويلي مقارنة بالنفوذ الأمريكي سيظل السؤال الأبرز خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضاً
كارثة نيبال تكشف حجمًا غير مسبوق للدمار.. آلاف المفقودين وقرى كاملة اختفت تحت الطين



