حين تمطر السماء حرية… لماذا يرفع البعض المظلات؟

#سلسلة_أنا_وصديقي_الفيلسوف
الحلقة الأولى: مظلاتٌ تحجب مطر الحرية
#دكتورة_رشا_علي_الدين
كان أبي — رحمه الله — كثيرًا ما يقول لي: “لو أمطرت السماء حريةً، لرأيتِ بعض العبيد يحملون المظلات”.
مضت الأعوام، وبقيت العبارة مستقرةً في ذاكرتي، حتى ذكّرني بها يومًا صديقي الفيلسوف، فقلت له: كان أبي يردد هذه العبارة، وكنت أتعجب منها كلما سمعتها. كيف يمكن لإنسان أن يحتمي من الحرية كما يحتمي من المطر؟
ابتسم صديقي وقال: لأن الحرية، يا صديقتي، ليست دائمًا هديةً سهلة؛ إنها مسؤولية ثقيلة. وبعض الناس يفضلون قيدًا اعتادوه على فضاءٍ مجهول يطالبهم بالاختيار.
قلتُ: ولكن مَن ذا الذي لا يتمنى أن يكون حرًّا؟
قال: كثيرون يتغنون بالحرية ما دامت كلمة، فإذا أصبحت موقفًا تراجعوا، وإذا غدت مسؤوليةً خافوا، وإذا طالبتهم بدفع ثمنها بحثوا عن أقرب مظلة.

سألته: وما هذه المظلات؟
أجاب:
قد تكون خوفًا من التغيير، أو مصلحةً يخشى صاحبها ضياعها، أو فكرةً موروثة لم يجرؤ يومًا على مناقشتها، أو طاعةً عمياء، أو اعتيادًا طويلًا جعل القفص أكثر ألفةً من السماء.
قلتُ: أتقصد أن الإنسان قد يدافع عن القيود التي تكبّله؟
قال: نعم؛ فالعبودية لا تبدأ دائمًا بسلاسل حول المعصم. قد تبدأ بفكرة تستوطن العقل، أو خوف يسكن القلب، أو منفعة تُسكت الضمير. والأسوأ أن يعتاد المرء قيده حتى يراه زينة، وأن يألف سجّانه حتى يظنه حاميًا.
قلتُ: وهل يكفي أن تنكسر القيود حتى يصبح الإنسان حرًّا؟
هزّ رأسه وقال: قد تُكسر قيود اليد، ويبقى العقل سجينًا. وقد يُفتح باب القفص، لكن الطائر الذي نسي الطيران يظل واقفًا عند بابه. فالحرية الحقيقية تبدأ حين يمتلك الإنسان عقلًا يسأل، وضميرًا يرفض، وإرادةً تتحمل تبعات الاختيار.
صمتُّ قليلًا، ثم قلت:
لعل أصعب أنواع العبودية هو ذلك الذي لا يشعر به صاحبه.
فقال:
بل أشدها خطرًا أن يحب الإنسان قيوده، وأن يغضب ممن يلفت نظره إليها، وأن يرفع مظلته كلما أمطرت السماء حرية.
انتهى حديثنا، لكن العبارة عادت إليَّ بصوتين:
صوت أبي الذي غرسها في ذاكرتي، وصوت صديقي الفيلسوف الذي أيقظ معانيها من جديد.
وبقي السؤال:
كم مظلةً نحملها فوق رؤوسنا، ثم نزعم أننا نبحث عن الحرية؟
هذه هي الحلقة الأولى من سلسلة «أنا وصديقي الفيلسوف»؛ حوارات نقترب فيها من الأسئلة التي نعتقد أننا نعرف إجاباتها، ثم نكتشف أن وراء كل إجابة سؤالًا أكثر عمقًا.
تابعوا الحلقات القادمة… فلعلنا لا نعثر على جميع الإجابات، ولكننا سنتعلم معًا كيف نطرح الأسئلة.
اسألوا صديقي الفيلسوف كما تشاءوا في انتظار أسئلتكم
#أنا_وصديقي_الفيلسوف
#الحلقة_الأولى



