“الترامبية” تصنع وحدة نادرة داخل قمة بريكس رغم انقسامات تاريخية
“الترامبية” تصنع وحدة نادرة داخل قمة بريكس..وفقًا لتقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، نجحت دول تكتل “بريكس” العشر في تحقيق وحدة نادرة خلال قمتها الأخيرة في نيودلهي للتعبير عن معارضتها المشتركة لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،
رغم أن التكتل كثيرًا ما يوصف من قبل منتقديه بأنه مجموعة متنافرة من الأسواق الناشئة لا تتفق إلا على القليل وتحقق أقل من ذلك.
فحين واجه القادة العشرة تعريفات ترامب الجمركية وحربه على إيران وهجماته على التعاون الدولي،
لم يجدوا صعوبة تُذكر في التوحد للتعبير عن معارضتهم المشتركة لهذه السياسات.
بيان مشترك من 45 صفحة يهاجم الحمائية والعقوبات الاقتصادية
اتفق كل من الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمضيف الهندي ناريندرا مودي،
إلى جانب قادة آخرين، يوم السبت الماضي على بيان مشترك من خمس وأربعين صفحة يهاجم الحمائية والعقوبات الاقتصادية،
ويدعو إلى السلام في منطقة الخليج. وقال أشوك ماليك، رئيس قسم الهند في مجموعة “آسيا” الاستشارية:
“ما تشهدونه هذا الأسبوع في دلهي خلال قمة بريكس هو إحباط متنامٍ من الترامبية”،
مضيفًا أن “بريكس ليس تكتلاً سياسيًا أو منظمة تجارية،
لكن هذا البيان هو الأقرب ما وصل إليه التكتل من موقف سياسي موحد،
وبمعنى ما، فإن الترامبية استدعت هذا الرد بنفسها”.
صور رمزية تتناقض مع الفوضى في الغرب
أشار الحاضرون إلى أن المشهد الرمزي لابتسامات شي ومودي وبوتين العريضة وهم يتشابكون بالأيدي خلال القمة
تناقض بشكل صارخ مع الفوضى السائدة في الغرب،
حيث يبدو ترامب معزولاً بينما تنشغل أوروبا بمشاكلها الداخلية كتصاعد الديون والخلافات حول الهجرة.
وتحدث شي عن “عقد ذهبي” مقبل لبريكس، مع تولي الصين قيادة التكتل من الهند العام المقبل،
إذ ترى بكين في هذا التكتل ومجموعات أخرى كمنظمة شنغهاي للتعاون منصات بديلة
لإعادة تشكيل النظام العالمي وتقليص النفوذ الأمريكي وترسيخ ريادتها في تقنيات كالذكاء الاصطناعي.
فرصة مهمة قبيل لقاء شي المرتقب مع ترامب
وفّرت القمة فرصة مهمة لشي وقادة بريكس الآخرين لمناقشة قضايا كالحرب على إيران
قبيل لقاء الرئيس الصيني المتوقع مع ترامب لاحقًا هذا الشهر،
بحسب ما لاحظه أميت رانجان من الجامعة الوطنية في سنغافورة.
وقال وزير الخارجية البرازيلي ماورو فييرا، الذي مثّل الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في الاجتماع:
“مجرد اجتماع قادة بريكس أمر بالغ الأهمية في وقت يشهد فيه العالم هذا القدر من عدم الاستقرار والتحديات الكبرى أمام التعددية”،
مضيفًا أن “جميع رؤساء دول بريكس تقريبًا حاضرون هنا”.
تقارب حذر بين الصين والهند رغم التنافس الاقتصادي
جرى التغاضي عن الانقسامات بين الدول الرئيسية في التكتل خلال اجتماع نيودلهي،
إذ تمكنت الصين والهند، الخصمان التاريخيان، من تحقيق تقارب حذر بعد سنوات من التوتر عقب اشتباك حدودي،
رغم أن البلدين يظلان منافسين اقتصاديين، مع سعي الهند لجذب استثمارات أجنبية في قطاع التصنيع.
روسيا تقدّم نفسها شريكًا موثوقًا للموارد وسط اضطراب الخليج
تقدّم روسيا، التي تنظر إليها أوروبا كتهديد أمني كبير، نفسها داخل بريكس
كشريك يوفر النفط والأسمدة والمعادن للدول النامية القلقة بشأن الإمدادات وسط اضطراب حرب الخليج بقيادة أمريكية.
وفي أول ظهور شخصي له في قمة بريكس خارج روسيا منذ الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022،
أيّد بوتين الدعوات لنظام عالمي جديد يميل نحو الجنوب والشرق،
مهاجمًا “غير الراغبين في قبول الواقع المتغير والذين يحاولون احتواء المنافسين الصاعدين بكل الطرق الممكنة”.
دفع صيني نحو مبادرات الذكاء الاصطناعي
دفع شي باتجاه “مبادرات” جديدة في مجال الذكاء الاصطناعي “لإنارة الطريق نحو ازدهار مشترك”،
بحسب وكالة “شينخوا” الصينية الرسمية،
في وقت تسعى فيه بكين لترويج نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية لديها في الدول النامية.
بيان بصياغة فضفاضة لضمان توافق جماعي
صيغت معظم بنود إعلان يوم السبت بلغة فضفاضة متعمدة لضمان تحقيق توافق جماعي بين أعضاء المجموعة،
مع قلة قليلة من المبادرات المحددة.
ورغم أن القوة الاقتصادية لبريكس تنامت بشكل حاد منذ أن اجتمع قادة الأعضاء الأربعة المؤسسين الأصليين،
البرازيل وروسيا والهند والصين،
لأول مرة عام 2009، فإن نفوذها السياسي والدبلوماسي لا يزال في مراحله الأولى.
توترات داخلية لم تُحل بشأن التعاون الدفاعي والأمني
لم تُعالج التوترات الكامنة داخل التكتل، كمسألة ما إذا كان ينبغي لبريكس توسيع تعاونه ليشمل الدفاع والأمن كما تفضل الصين وروسيا.
كما أن دعوة مودي لإصلاح عاجل للمؤسسات العالمية كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي أخفت خلافات عميقة حول كيفية تحقيق ذلك.
تركيز هندي على التنمية البشرية يلقى صدى لدى الشركاء
بدا إصرار رئيس الوزراء الهندي على وضع التنمية البشرية في صدارة أجندة بريكس والسعي لنتائج عملية أكثر صدى لدى أعضاء كإثيوبيا، إضافة إلى الدول الشريكة العشر الإضافية التي حضرت القمة.
وقال مودي في كلمته أمام القمة: “يجب أن نعمل على تحويل الجنوب العالمي من متلقٍ للقواعد إلى صانع لها”،
مضيفًا أن هذه الدول تقف “في الصف الأول من الأزمات العالمية لكن في الصف الأخير حين يتعلق الأمر باتخاذ القرار”.
نجاح دبلوماسي هندي رغم الخلافات بين إيران والإمارات
اعتبرت نيروبما راو، وزيرة الخارجية الهندية السابقة، أن الهند حققت “نجاحًا دبلوماسيًا مهمًا” بتأمين إعلان بالإجماع في اليوم الأول من القمة،
رغم الخلافات الحادة بين عضوي بريكس إيران والإمارات العربية المتحدة،
إذ دعا البيان إلى مزيد من الحوار والدبلوماسية لحل النزاع في الخليج و”أقصى درجات ضبط النفس” من جميع الأطراف.
الرئيس الإيراني يلتقي ولي عهد أبوظبي على هامش القمة
في دفعة إضافية للدبلوماسية داخل بريكس،
حضر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القمة والتقى ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان على هامشها،
إضافة إلى عقده لقاءات ثنائية مع قادة آخرين،
دون أن يتضح ما إذا تحقق أي تقدم في المحادثات نحو خفض التصعيد في الخليج.
قراءة تحليلية: ماذا يعني هذا التوافق النادر لمستقبل النظام العالمي
يرى تشيلامكوري راجا موهان، الأستاذ الزائر في معهد دراسات جنوب آسيا بسنغافورة،
أن الإنجاز الرئيسي لقمة نيودلهي كان التأكيد على أن “عالمًا أكثر تشرذمًا يتطلب تعاونًا عمليًا أكبر، لا أقل،
بين الدول الكبرى”، مشددًا على أن التركيز ينصب على “إصلاح النظام الدولي لا هدمه”.
ويحمل هذا التوافق النادر داخل تكتل طالما وُصف بالتشتت دلالة استراتيجية مهمة،
إذ يعكس كيف يمكن لسياسات إدارة أمريكية واحدة أن توحّد خصومًا تاريخيين كالصين والهند حول قواسم مشتركة،
حتى لو ظلت هذه الوحدة سطحية وغير قادرة على معالجة الانقسامات الجوهرية حول التعاون الدفاعي وإصلاح المؤسسات الدولية.
أما على المدى المنظور، فمن المرجح أن يستمر هذا التقارب الحذر بين أعضاء بريكس طالما استمرت السياسات الأمريكية في دفعهم نحو مواقف مشتركة،
فيما يبقى التحدي الحقيقي أمام التكتل هو تحويل هذا التوافق الخطابي إلى مبادرات عملية ملموسة تعزز نفوذه السياسي والدبلوماسي الفعلي على الساحة الدولية.
اقرأ أيضاً
من هرمز إلى باب المندب..تقدم الحوثيين يعيد رسم خريطة القوة في الخليج



