العالم إلى أين؟
#العالم إلى أين؟
#قراءة في مشهد دولي وإقليمي يتغير بسرعة… ومصر تحسب خطواتها
#بقلم #دكتور_طارق_هلال
ماذا يحدث للعالم؟ وماذا لو كان ما نراه من حروب وأزمات مجرد الجزء الظاهر من الصورة؟
صاروخ يُطلق، مسيّرة تصيب هدفاً، سفينة تغيّر مسارها، دولة تغلق مجالها الجوي، أسعار النفط تتحرك، والأسواق العالمية تضطرب… لكن خلف كل مشهد طبقة أخرى لا تظهر بالقدر نفسه: معلومات استخباراتية، أقمار صناعية، تكنولوجيا، تمويل، تدريب، لوجستيات، شبكات إمداد، حرب إلكترونية، وقرارات تُتخذ بعيداً عن خطوط النار.
وربما تكمن هنا الإجابة الأولى عن السؤال الذي أصبح يفرض نفسه: العالم إلى أين؟
ما يحدث اليوم لم يعد مجرد أزمات منفصلة، بل شبكة متداخلة من الصراعات، تتحرك فيها الجبهات العسكرية بالتوازي مع جبهات الاقتصاد والطاقة والمعلومات وسلاسل الإمداد. والأخطر أن ما يمكن تسميته «الدعم غير المرئي» صار عاملاً مؤثراً في قدرة الأطراف على الاستمرار والمناورة وتغيير موازين القوى. والأخطر من ذلك أن سرعة الأحداث باتت تتجاوز أحياناً قدرة النظام الدولي على احتوائها.
ففي اليمن، لم يعد الحوثيون مجرد طرف في حرب داخلية. فقد سيطروا في سبتمبر على مدينة المخا وميناءها، وتقدموا على الساحل الغربي باتجاه باب المندب، بالتزامن مع تصعيد الهجمات على السعودية وعلى أهداف مرتبطة بالطاقة.
وهنا تتغير المعادلة؛ فالمخا ليست مجرد مدينة يمنية، وباب المندب ليس مجرد مضيق جغرافي، بل نقطة اتصال استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وأحد أهم طرق التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
ومع اضطراب الملاحة في هرمز، يصبح الضغط على باب المندب أشد خطورة. فالسفن التي تعجز عن استخدام أحد الممرين تبحث عن بدائل أطول وأكثر كلفة، وتتأثر معها حركة النفط والتأمين والشحن. وقد انخفضت حركة السفن عبر هرمز بشكل حاد، كما تراجعت حركة العبور في باب المندب.
ومن هنا يبرز السؤال: هل تحولت الممرات البحرية من أدوات للتجارة إلى أدوات للصراع السياسي والاستراتيجي؟
وفي الخليج، ترتفع الكلفة يوماً بعد يوم: ضربات على منشآت ومواقع للطاقة، تهديدات للملاحة، ارتفاع في مخاطر التأمين والنقل، واضطراب في أسواق النفط. وفي المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فالتدخل المباشر على جبهات متعددة قد يوسّع الصراع، وعدم التدخل قد يترك حلفاءها أمام مخاطر متزايدة. وحتى الآن اختارت واشنطن مزيجاً من الدعم الاستخباراتي والتنسيق العسكري والضغط السياسي، مع تجنب فتح جبهة أمريكية مباشرة ضد الحوثيين.
أما إيران، فالقصة فيها تتجاوز المواجهة العسكرية إلى الملف النووي. فبعد استهداف منشآتها النووية، أصبحت قدرة المجتمع الدولي على التحقق الكامل من بعض جوانب برنامجها أكثر صعوبة، وهو ما يرفع مستوى القلق الاستراتيجي. ويجب هنا التمييز بين امتلاك القدرة أو الاقتراب من العتبة النووية، وبين اتخاذ قرار فعلي باستخدام سلاح نووي؛ فالثاني لا يمكن الجزم به دون أدلة موثوقة.
وعلى الجبهة الإسرائيلية، لم تتوقف التداعيات عند غزة. فجنوب لبنان لا يزال ساحة مفتوحة للتصعيد، مع استمرار العمليات الإسرائيلية والهجمات المتبادلة، بينما تستعد قوة الأمم المتحدة «اليونيفيل» للانسحاب التدريجي بنهاية 2026، وسط مخاوف من فراغ أمني في الجنوب.
وفي سوريا، تبقى البيئة الأمنية شديدة الحساسية، نتيجة تداخل المصالح الإسرائيلية والإيرانية والفصائل المسلحة والتحولات الداخلية.
أما القضية الفلسطينية، التي ظلت سنوات محوراً رئيسياً في المشهد الإقليمي والدولي، فتواجه الآن مزاحمة واضحة من ملفات أخرى أكثر إلحاحاً على أجندة القوى الكبرى. وهذا لا يعني أنها فقدت أهميتها، بل أن تعدد الجبهات أعاد توزيع الاهتمام الدولي. وفي المقابل، تؤكد القاهرة في اتصالاتها الدولية أن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية في المنطقة، مع التشديد على التسوية العادلة وحل الدولتين ورفض التهجير.
ثم ننتقل شمالاً إلى أوكرانيا. فالحرب التي مرت بمراحل متعددة من التفاوض والتهدئة تعود لتفرض نفسها عسكرياً بقوة. ففي 20 سبتمبر، شهدت روسيا هجوماً أوكرانياً واسعاً بالطائرات المسيّرة، شمل منطقة موسكو ومنشآت للطاقة، بالتزامن مع استمرار الضربات الروسية على الأراضي الأوكرانية.
وهكذا لم تعد أوكرانيا مجرد جبهة أوروبية، بل جزءاً من معركة أوسع تتعلق بالطاقة والصناعة والاقتصاد والقدرة على تحمّل الحرب.
وفي جنوب آسيا، عادت باكستان وأفغانستان إلى دائرة التصعيد. ففي 21 سبتمبر، أعلنت مصادر أفغانية مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين في ضربات باكستانية داخل أفغانستان، بينما تبرر إسلام آباد عملياتها بوجود جماعات مسلحة تستهدفها انطلاقاً من الأراضي الأفغانية، وهو ما ترفضه كابول.
وحين يتعلق الأمر بدولتين بينهما تاريخ طويل من التوتر، وتمتلك إحداهما (باكستان) قدرات نووية، فلا يمكن التعامل مع أي تصعيد باعتباره مجرد أزمة حدودية.
وفي أفريقيا، لا تبدو الصورة أكثر هدوءاً. فالسودان ما زال يعيش أزمة إنسانية وأمنية ضخمة، وليبيا تعاني اختناقات في الكهرباء والطاقة والبنية التحتية رغم ثروتها النفطية، بينما تبقى إثيوبيا والقرن الأفريقي جزءاً من منظومة أوسع تتداخل فيها المياه والأمن والموانئ والطاقة والملاحة.
إذن… ماذا يحدث؟ ربما لا تكمن المشكلة في وجود هذه الأزمات منفردة، وإنما في تزامنها وترابطها. فالعالم يواجه في الوقت نفسه أزمات في الأمن والطاقة والغذاء والتمويل وسلاسل الإمداد، إلى جانب صراع على التكنولوجيا والرقائق والذكاء الاصطناعي والممرات البحرية ومصادر الطاقة.
فالولايات المتحدة تخوض اليوم اختباراً حقيقياً في كيفية إدارة القوة دون الانجرار إلى حرب مفتوحة على عدة جبهات، وأوروبا تواجه فاتورة أمنية واقتصادية متزايدة، والصين تراقب أمن الطاقة والممرات البحرية وحركة التجارة العالمية، بينما تحاول القوى الإقليمية استغلال الفراغات الناتجة عن انشغال القوى الكبرى.
وفي قلب هذا المشهد، تكشف القاهرة جانباً آخر من الصورة. ففي 20 سبتمبر، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف، وبحث اللقاء ملفات إقليمية ودولية، في مقدمتها إيران وغزة والسودان والقرن الأفريقي وأمن الملاحة، بما يعكس اتساع نطاق التنسيق والتشاور بين القاهرة وواشنطن.
وبالتوازي، جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في الأول والثاني من سبتمبر، بالتزامن مع مرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتأكيدهما تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
واللافت هنا ليس مجرد تعدد العلاقات، بل أن مصر تتحرك داخل مشهد تتقاطع فيه ملفات البحر الأحمر وقناة السويس وغزة والسودان وليبيا والقرن الأفريقي، مع احتفاظها بقنوات اتصال مفتوحة مع قوى دولية مختلفة.
ولهذا فقد لا تكون المرحلة المقبلة صراعاً بين الجيوش فقط، بل صراعاً على القدرة على الصمود.
فالعالم يتغير، والحروب لم تعد تُقاس بما يجري في ساحات القتال وحدها، بل بما يجري في الطاقة والاقتصاد والمعلومات والممرات البحرية وسلاسل الإمداد. وفي هذا المشهد، لا تكمن القوة في امتلاك السلاح وحده، بل في القدرة على حماية القرار والصمود أمام الضغوط.
ومصر، بموقعها وقدراتها وعلاقاتها المتوازنة، لا تقف خارج هذا التحول، بل تتحرك داخله بحسابات دقيقة لحماية مصالحها وأمنها واستقرارها.
العالم إلى أين؟ لا أحد يملك الإجابة الكاملة… لكن المؤكد أن المرحلة المقبلة ستكافئ من يمتلك الوعي والقدرة والمرونة، والأهم… قراراً وطنياً مستقلاً.



