عودة أصالة إلى دمشق ترسم ملامح سوريا الجديدة

شهدت العاصمة السورية دمشق حدثاً تاريخياً غير مسبوق منذ خمسة عشر عاماً. صعدت الفنانة أصالة نصري إلى خشبة المسرح في صالة الفيحاء الرياضية وسط حشد غفير. غادرت النجمة السورية البلاد في المنفى بعد تأييدها للانتفاضة ضد نظام بشار الأسد عام 2011. علا صوتها بهتافات الفرح قائلة إنها عادت أخيراً إلى موطنها دمشق. رفرفت الأعلام السورية في كل أرجاء القاعة بينما ذرفت العيون دموع التأثر والفرح العارم. افتتحت الحفل بأغنية سوريا جنة التي أصدرتها فور انهيار النظام في ديسمبر 2024. انضم إليها وزير الثقافة محمد ياسين صالح فوصف هذه العودة بأنها رمز للحرية في مواجهة القمع. عكست هذه الليلة الاستثنائية آمال الشعب السوري بمستقبل يتسع لجميع أبنائه دون استثناء.

لوحة وطنية جامعة لمختلف أطياف الشعب السوري
عكس الجمهور الحاضر في الحفل تنوعاً مجتمعياً مذهلاً يمثل الهوية السورية الحقيقية. ضم الحضور نساء محجبات وأخريات غير محجبات ورجالاً من مختلف الانتمءات والمشارب السياسية والفكرية. غنى المحافظون والليبراليون والعلمانيون معاً بصوت واحد يعبر عن رغبة عارمة في الحياة والسلام. شارك في الفرحة أبناء السويداء والساحل ودرعا وحلب ودمشق والرقة ودير الزور والحسكة وحمص. حمل هذا التجمع رسالة واضحة لكل العالم بأن سوريا تتسع لتشمل الجميع بعد سنوات طويلة من الاستبداد والدمار. تمثل هذه اللحظات الجامعة البلسم الشافي لجراح الوطن بعد عقود من القمع والفرقة.
أصوات أصولية تحاول إسكات صوت الفن والحرية
واجهت هذه الرؤية التعددية تحديات كبيرة من قبل التيارات المحافظة والمتشددة الرافضة للانفتاح الثقافي. قاد عدد من رجال الدين حملة واسعة لإلغاء الفعالية في الأسابيع التي سبقت موعد الحفل المقرر. برز اسم الواعظ المصري هاني دهب المعروف بالشيخ الذهبي ضمن هذه الأصوات المنددة بالحفلات الفنية. أصدرت شخصيات عامة بياناً رسمياً يطالب الحكومة بمراجعة القواعد المنظمة للفعاليات العامة وسحب الدعم عنها. تعكس هذه المحاولات صراعاً مستمراً بين قوى التنوير والحرية وبين التيارات الساعية لفرض وصايتها الدينية على المجتمع.
بناء الهوية الوطنية الجامعة عبر الفن والثقافة
تحتاج سوريا بشدة إلى لحظات جامعة تعزز الشعور بالانتماء الوطني المشترك بين جميع المكونات. تضم البلاد أغلبية سنية إلى جانب العلويين والمسيحيين والأكراد والدروز ومجموعات أخرى متنوعة. يضمن العيش المشترك في سلام وازدهار احترام عقيدة كل فرد وهويته وطريقة عيشه دون إقصاء. تساهم الفعاليات الفنية الكبرى في خلق مساحات آمنة يلتقي فيها السوريون لتشارك الفرح والأمل. يعتبر الفن سلاحاً فعالاً في مواجهة ثقافة الكراهية وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة في الوطن.
الخاتمة
تثبت عودة أصالة إلى دمشق أن إرادة الحياة لدى الشعب السوري أقوى بكثير من كل محاولات القمع والاستبداد. يحتاج المجتمع السوري إلى المزيد من هذه الفعاليات الجامعة لتجاوز آثار الحرب والدمار الطويل. يمثل التنوع الثقافي والاجتماعي غنى حقيقياً يجب حمايته ورعايته للمستقبل. يبقى الفن الجسر الأمتن الذي يربط القلوب ويصنع السلام الدائم بين أبناء الوطن الواحد.



