الوجه المظلم لاندفاعه الذهب: كيف اصبح المعدن وقوداً للجريمه المنظمة

مع الارتفاع القياسي في أسعار الذهب عالميًا، لم يعد المعدن الأصفر مجرد ملاذ آمن للمستثمرين، بل تحول إلى ساحة صراع عنيف تديره شبكات إجرامية عابرة للقارات. من أنفاق المناجم المهجورة في جنوب أفريقيا إلى غابات الأمازون المطيرة، يتكرر المشهد ذاته: فقراء يبحثون عن فرصة للرزق السريع، وعصابات مسلحة تستغلهم، وحكومات عاجزة عن مواجهة اقتصاد أسود تقدر قيمته بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا.
صعود اقتصاد الظل
التحولات في سوق الذهب جعلت منه سلعة مثالية للجريمة المنظمة. فقد ارتفع سعره ثلاثة أضعاف خلال العقد الأخير وأكثر من 25% منذ مطلع العام، مما عزز الإقبال عليه كملاذ آمن وسط الحروب التجارية والتوترات الجيوسياسية. هذه الطفرة خلقت فرصًا ضخمة لشبكات تهريب تعمل عبر إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، إذ يسهل غسل الذهب وبيعه في مراكز عالمية مثل دبي وزيورخ بفضل قابلية المعدن للتحويل وإعادة التكرير دون أثر واضح لمصدره.
عصابات تسيطر على المناجم المهجورة
في جنوب أفريقيا، حيث كانت المناجم في يوم ما شريان الاقتصاد، استغلت العصابات آلاف الحفر المهجورة لتشغيل ما يعرف بـ”عمال الزاما-زاما”. هؤلاء في الغالب مهاجرون فقراء يعملون في ظروف بالغة الخطورة تحت رحمة مسلحين يستخدمون حتى العبوات الناسفة في صراعاتهم. ورغم محاولات السلطات تجفيف الإمدادات الغذائية واعتقال العمال، يرى الخبراء أن المشكلة الحقيقية تكمن في شبكات التمويل التي تغذي هذا الاقتصاد غير المشروع.
الأمازون: من الكوكايين إلى الذهب
في البرازيل وكولومبيا وبيرو، تحولت عصابات المخدرات إلى ما بات يعرف بـ”الناركو-ماينرز”. البداية كانت باستغلال الغابات كممرات لتهريب الكوكايين، لكن الذهب أغراها بالبقاء. في مدينة إيتايتوبا البرازيلية، العاصمة غير الرسمية لغسل الذهب، تنشط عمليات “الغاريمبو” غير الشرعية حيث يستخدم الزئبق السام لفصل المعدن عن الصخور. هذه الأنشطة لم تدمّر البيئة فقط، بل اجتذبت تنظيمات مسلحة كبرى مثل “الكوماندو فيرميلهو” و”كلان ديل غولفو” الكولومبي، التي تدير معسكرات التعدين وتفرض إتاوات حتى على بائعي الطعام الصغير.
ضحايا محليون وثروات عابرة للحدود
الثمن الإنساني فادح. في بيرو وحدها قُتل عشرات العمال خلال السنوات الأخيرة في هجمات على مناجم كبرى مثل “بودروسا”. أما في مناطق السكان الأصليين بالبرازيل، فقد جلبت أنشطة التعدين غير المشروع الملاريا والإدمان والتلوث الزئبقي الذي يهدد الحياة البرية والمياه. “عندما يأتي الغاريمبو، تأتي معه الكحول والمخدرات والمرض”، هكذا لخص أحد شيوخ قبيلة الموندوروكو الوضع.
الذهب كسلاح للحروب
في السودان، أخذت الظاهرة بعدًا أشد قتامة. فالمكاسب من الذهب غير المشروع تموّل فصائل مسلحة متورطة في حرب أودت بحياة ما لا يقل عن 150 ألف شخص. تقارير أممية تحدثت عن أن قوات الدعم السريع استغلت عائدات الذهب لشراء أسلحة متطورة، بينما وجد جزء كبير من هذا المعدن طريقه إلى دبي عبر شبكات تهريب معقدة.
دبي والاتهامات بالغسل
الإمارات برزت كمركز رئيسي لتجارة الذهب، لكنها تواجه اتهامات بأنها بمثابة “غسالة” للمعدن، حيث يُعاد تكريره ووسمه كإماراتي قبل تصديره إلى سويسرا أو بريطانيا. ورغم تشديد اللوائح وزيادة عمليات التفتيش بعد إدراجها على قائمة المراقبة الدولية لمكافحة غسل الأموال عام 2022، يعترف تجار محليون في سوق الذهب بدبي بأنهم لا يعرفون أصل ما يبيعونه.
محاولات للردع
الحكومات بدأت التحرك، لكن بفعالية محدودة. البرازيل مثلًا أطلقت عمليات أمنية واسعة في أراضي اليانومامي، وأعلنت عن انخفاض بنسبة 98% في مواقع التعدين غير الشرعي هناك. كما أصدرت المحكمة العليا قرارات تحد من إمكانية “شرعنة” الذهب المهرب. ورغم هذه الإجراءات، تشير منظمات بحثية إلى أن المعدن غير المشروع يعاود الظهور في مناطق جديدة أو يعبر الحدود إلى فنزويلا وغويانا.
معركة خاسرة؟
تتفق المنظمات الحقوقية والاقتصادية على أن الجريمة المنظمة باتت جزءًا راسخًا في سلسلة توريد الذهب. فشبكات التمويل، الفساد، والقدرة على غسل المعدن تجعل من الصعب اجتثاث الظاهرة. منظمة الذهب العالمية حذرت مؤخرًا من أن حجم التدفقات غير المشروعة بلغ مستوى “غير مسبوق”، وأن آثارها تتجاوز البيئة لتطال الاستقرار السياسي والأمن الإقليمي.
ذهب ملوث بالدماء
المشهد الختامي لهذا الاندفاع المحموم للذهب يرسم لوحة قاتمة: أنهار ملوثة بالزئبق، قبائل أصيلة مهددة بالاندثار، عمال يلقون حتفهم في أنفاق غير آمنة، وأرباح هائلة تذهب إلى جيوب عصابات عابرة للحدود. كما تقول الناشطة البرازيلية أليساندرا كوراب: “الغاريمبو لا يدمر الغابات فحسب، بل يغذي أيضًا الجريمة المنظمة. نريد أن يعرف العالم ذلك”.