عربي وعالمي

لماذا يبدو السلام بعيدًا رغم تصاعد الحروب من غزة إلى أوكرانيا؟

تصاعد النزاعات وتفكك القيم الأخلاقية يعيدان العالم إلى دائرة العنف المستمر

رغم الدعوات المستمرة لوقف إطلاق النار وإنهاء العنف، لا تزال مشاهد الحرب والمعاناة الإنسانية تتكرر في أماكن متعددة من العالم، من غزة إلى أوكرانيا، ومن السودان إلى سوريا. يبدو أن السعي لتحقيق السلام أصبح أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لكنه أيضًا بات أكثر عبثية ويأسًا.

تصاعد غير مسبوق للنزاعات

شهد العام الماضي أعلى معدل للنزاعات المسلحة منذ عام 1946، حيث اندلعت 61 حربًا داخل 36 دولة. وتشير المؤشرات إلى أن هذا العام قد يكون أكثر سوءًا. في غزة، غالبًا ما تنتهي محادثات الهدنة المؤقتة بعودة القصف والمعاناة. أما في أوكرانيا، فالحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات تزداد تعقيدًا، رغم المهلة الرمزية التي وضعها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

الجرائم ضد الإنسانية أصبحت روتينًا

بات الحجم الهائل والفظاعة المتكررة للانتهاكات في مناطق النزاع أمرًا “اعتياديًا”. قتل المدنيين واستهداف الأطفال، واستخدام التجويع والاغتصاب والنزوح القسري كأسلحة حرب – أصبحت جميعها أدوات يومية في الصراعات الحديثة. من أكثر الصور صدمة كانت مقتل أطفال فلسطينيين أثناء انتظارهم للحصول على مياه في غزة، وهي مأساة تكررت كثيرًا حتى أصبحت مألوفة.

غياب الوساطة الأخلاقية

في ظل هذا الدمار، يبدو أن صناع السلام الحقيقيين أصبحوا نادرين. ورغم أن قتل الأبرياء لا يمكن تبريره أخلاقيًا بأي حال، إلا أن استمرار هذه الجرائم يطرح سؤالًا وجوديًا: لماذا يتم التسامح معها؟ تكمن الإجابة في مفهوم “النسبية الأخلاقية” – حيث ما يُعد جريمة لا تُغتفر لدى البعض، قد يُبرر أو يُتجاهل لدى آخرين.

تفكك النظام الأخلاقي العالمي

الانقسام الجيوسياسي والاقتصادي العالمي ترافق مع انهيار في البنية الأخلاقية المشتركة. لم تعد هناك معايير عالمية مُتفق عليها لتحديد الصواب من الخطأ. هذا الفراغ سمح بتحول النقاشات العامة إلى جدالات عقيمة، تغذيها الاستقطابات الحادة والشعور بالضياع.

القيادات السياسية وتضليل الشعوب

يجسد دونالد ترامب هذا الانهيار الأخلاقي؛ فبينما يسعى لنيل جائزة نوبل للسلام، شارك في قصف إيران وأزهق أرواح مدنيين. التناقض ذاته ينطبق على بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، الذي رُشّح أيضًا لنفس الجائزة رغم اتهامه بارتكاب جرائم حرب. في المقابل، تتزايد الأصوات التي ترى أن مثل هذه الجوائز باتت جوفاء، وأن العالم بحاجة لمساءلة حقيقية، لا تكريم رمزي.

ازدواجية المعايير وتغافل المجتمعات

ساهم التضليل الإعلامي والقمع السياسي في روسيا في جعل شريحة واسعة من المجتمع الروسي تتجاهل أو تجهل الجرائم المرتكبة في أوكرانيا. أما في إسرائيل، فيزداد الجدل حول أخلاقية العمليات العسكرية في غزة. ورغم وجود أصوات إسرائيلية تنادي بالسلام، إلا أن عجزها عن تغيير السياسات القائمة يُعد فشلًا أخلاقيًا أيضًا.

في الغرب، يشكل الصمت حيال هذه الفظائع – سواء من قبل الحكومات أو الشعوب – خيانة للمبادئ التي تدّعي هذه الدول الدفاع عنها. تبرير القتل الجماعي تحت شعار “الحرب العادلة” لم يعد مقبولًا.

استعادة الأخلاق المشتركة: الطريق إلى السلام

السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق الأخلاقي هو العودة إلى معايير دولية واضحة، مثل اتفاقيات جنيف، ومبادئ القانون الدولي، والقيم الإنسانية المشتركة. لا يجب أن تُصبح الأخلاق مسألة رأي شخصي أو انتماء ثقافي فقط، بل ينبغي أن تُستعاد كمبدأ عالمي يربط بين الناس جميعًا.

إن إنهاء الحروب ومعاناة الملايين ليس خيارًا سياسيًا فقط، بل هو واجب أخلاقي يستدعي تحركًا جماعيًا حازمًا. السلام ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية. وعلى البشرية أن تستعيد ضميرها قبل أن يُغرقها الدم والنسيان.

اقرا ايضا:

ترامب في موقف دفاعي بعد تسريب رساله خادشة في قضية ابستين

علياء حسن

علياء حسن صحفية مصرية تحت التدريب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى