محكمة استئناف نيويورك تلغي غرامة مدنية بـ500 مليون دولار ضد ترامب وتبقي الباب مفتوحًا أمام الطعون

في تطور قضائي بارز أثار جدلاً سياسيًا وقانونيًا واسعًا، أصدرت محكمة استئناف في نيويورك، يوم الخميس، حكمًا يقضي بإلغاء الغرامة المدنية الضخمة المفروضة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قضية الاحتيال المالي التي اتهم فيها بالمبالغة في تقدير ثروته، معتبرةً أن العقوبة المالية “مفرطة” وتشكل خرقًا للتعديل الثامن من الدستور الأميركي المتعلق بمنع الغرامات والعقوبات القاسية.
القرار، الذي صدر عن هيئة مكوّنة من خمسة قضاة في محكمة الاستئناف متوسطة الدرجة، لم يكن بالإجماع. وقد جاء بعد سبعة أشهر فقط من عودة ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية مثيرة للجدل. وكان الحكم الأولي الذي أصدره القاضي آرثر إنغورون العام الماضي قد ألزم ترامب بدفع 355 مليون دولار كغرامة، وهو مبلغ ارتفع مع الفوائد إلى أكثر من 515 مليون دولار، في حين تجاوزت العقوبات مجتمعة مع ما فُرض على أبنائه ومسؤولين آخرين في “منظمة ترامب” مبلغ 527 مليون دولار.
القضاة دَيَن ت. رينويك وبيتر ه. مولتون أوضحا في حيثيات قرارهما أن “الأوامر القضائية التي تحد من قدرة ترامب على تولي مناصب قيادية في شركاته صُممت جيدًا وتخدم غرض إصلاحي واضح، إلا أن الغرامة المالية الضخمة التي تقترب من نصف مليار دولار تُعتبر عقوبة مفرطة وتتنافى مع المبادئ الدستورية.”
وكان إنغورون قد فرض أيضًا حظرًا على ترامب ونجليه من تولي أي منصب إداري أو قيادي في شركات داخل نيويورك لعدة سنوات، غير أن تنفيذ هذه القيود تم تعليقه في انتظار الاستئناف. ولتأجيل دفع الغرامة، كان ترامب قد أودع ضمانًا ماليًا قدره 175 مليون دولار.
ردود ترامب: “انتصار عظيم لأميركا”
سارع ترامب إلى الترحيب بالقرار عبر منصته “تروث سوشال”، واصفًا إياه بأنه “نصر عظيم لأميركا”. وفي سلسلة منشورات طويلة، اعتبر أن القضية “حملة اضطهاد سياسية” هدفها تقويض فرصه في السباق الانتخابي، قائلاً: “لقد كانت كل هذه المحاكمات سياسية منذ البداية. أرادوا تدميري كمرشح قبل وأثناء وبعد الانتخابات. كل ما فعلته كان صحيحًا بل ومثاليًا.”
ولم يوفر ترامب في تعليقاته النائبة العامة لولاية نيويورك، ليتيتيا جيمس، التي رفعت الدعوى، متهماً إياها بالسعي وراء “انتقام سياسي”، كما هاجم قضاة آخرين شاركوا في قضايا ضده، واعتبر أن إدارة بايدن-هاريس “شنت حربًا قضائية لتجريده من شرعيته.”
موقف الادعاء العام
ليتيتيا جيمس ردت سريعًا ببيان رسمي قالت فيه إن المحكمة “أثبتت صحة الحكم الأصلي الذي أكد أن ترامب، وشركته، واثنين من أبنائه ارتكبوا أعمال احتيال جسيمة”، مشيرة إلى أن قرار الاستئناف أقر بإبقاء القيود المفروضة على نشاط ترامب التجاري في نيويورك. وأكدت أنها ستتجه لاستئناف الحكم أمام أعلى محكمة في الولاية.
وأضافت جيمس: “لا ينبغي أن يُمحى من الذاكرة أن محكمة أخرى حكمت بأن الرئيس الأميركي ارتكب مخالفات جسيمة. قضيتنا ما زالت قائمة، والحقائق واضحة.”
فريق الدفاع يحتفل
على الجانب الآخر، اعتبرت ألينا حبّة، محامية ترامب السابقة وأحد أبرز وجوه الدفاع عنه، القرار “انتصارًا مدويًا”، مؤكدة أن “المحكمة أسقطت الغرامة غير القانونية التي بلغت 464 مليون دولار، وهو ما يثبت أن القضية منذ بدايتها كانت مسيسة وتفتقر للأساس القانوني.”
خلفية القضية
تعود القضية إلى اتهامات ضد ترامب بتضخيم أصوله العقارية بشكل متكرر في بيانات مالية قُدمت للمصارف وشركات التأمين، بهدف الحصول على قروض بشروط تفضيلية. من بين التناقضات التي أثارت الانتباه، زعمه أن مساحة شقته في “ترامب تاور” في نيويورك تعادل ثلاثة أضعاف مساحتها الحقيقية.
محامو ترامب أكدوا مرارًا أن هذه التقديرات كانت “افتراضية” ومرفقة بإخلاءات مسؤولية واضحة، وأن البنوك لم تخسر أي أموال بل حصلت على مستحقاتها بالكامل. بينما شدد الادعاء على أن هذه الأرقام المضللة منحت ترامب ميزات غير عادلة مقارنة بمقترضين آخرين.
قضايا قانونية أخرى
القضية ليست الوحيدة التي يواجهها ترامب. فقد صدر في يناير الماضي حكم بإعفائه غير المشروط في قضية “الأموال الصامتة” المتعلقة بدفع مبالغ لنجمة إباحية مقابل صمتها خلال حملة 2016، رغم أن الإدانة الأصلية بقيت قائمة. كما يخوض ترامب استئنافًا ضد حكم آخر ألزمه بدفع 83.3 مليون دولار للكاتبة إي. جين كارول في قضية تشهير ثانية، بعد أن كانت هيئة محلفين قد حكمت لصالحها سابقًا بتعويض قدره 5 ملايين دولار على خلفية اتهامات بالاعتداء الجنسي والتشهير.
آفاق المرحلة المقبلة
رغم فرحة ترامب وحلفائه بقرار محكمة الاستئناف، إلا أن القضية لم تنته بعد. فالنائبة العامة جيمس أكدت عزمها نقل الملف إلى أعلى محكمة في نيويورك، ما يعني أن المعركة القضائية ستتواصل، وربما تتزامن مع حملة ترامب الانتخابية وسعيه لتثبيت ولايته الرئاسية الثانية.ومع بقاء القيود على أنشطة ترامب التجارية في نيويورك سارية، ومع استمرار القضايا الفيدرالية والمدنية الأخرى، يبدو أن الرئيس الأميركي يواجه مزيجًا معقدًا من الانتصارات الجزئية والعقبات القضائية التي ستظل تلقي بظلالها على رئاسته المثيرة للجدل.