حوادث وقضايا

حريق فندق اولوفسون:حين ينهار رمز… ويسقط ما تبقي من حلم هايتي

"حريق فندق أولوفسون: مأساة ثقافية في هايتي"

في مساء الخامس من يوليو، احترق فندق “أولوفسون”، أحد أبرز المعالم الثقافية والمعمارية في العاصمة الهايتية بور أو برنس، ليختم مشهدًا مأساويًا يُلخّص ما آلت إليه البلاد: رماد ثقافي وسط دولة منهارة، تبتلعها نار العنف والفوضى.

في نظر كثيرين، لم يكن “أولوفسون” مجرد مبنى، بل مرآة لوجه هايتي الحضاري، وملاذًا للهويّة في بلد تتآكله الجماعات المسلحة. اليوم، أصبح دخانه الذي تصاعد في السماء إعلانًا مريرًا عن مدى الانهيار، وجرس إنذار ربما لا يسمعه أحد.

فندق… وسيرة وطن

منذ بنائه عام 1887 على طراز “الزنجبيل المعماري” المميز في هايتي – بمزيجه الخشبي الباذخ من التأثيرات القوطية والكلاسيكية – احتضن “أولوفسون” شخصيات أدبية وفنية عالمية، من إليزابيث تايلور وغراهام غرين إلى ميك جاغر. ولم يكن مجرد فندق، بل مركز ثقافي لعب دورًا رئيسيًا في النهضة الأدبية والموسيقية، خصوصًا عبر حركة “الإنديجيانية” التي أعادت الاعتبار للجذور الأفريقية والريفية الهايتية.

في ثمانينيات القرن الماضي، أعيد إحياؤه كمقر لموسيقى الفودو ومكان تلاقي للمراسلين الأجانب والناشطين الثقافيين. هناك تأسست فرقة “RAM” بقيادة ريتشارد موريس، في حفلات كانت تختلط فيها الطقوس الشعبية بالتجريب الموسيقي العالمي، كل خميس، وسط قاعة تشبه “أليس في بلاد العجائب”.

النار ليست صدفة

رغم أن السبب الدقيق للحريق ما زال غير مؤكد، تشير مصادر محلية إلى أن الفندق أُحرق انتقامًا بعد عملية للشرطة في المنطقة، حيث كانت الجماعات المسلحة قد بدأت في التمدد منذ مطلع العام، ما اضطر الفندق لإغلاق أبوابه وموظفيه لمغادرة المكان.

 

الواقعة تأتي في سياق أوسع من الانهيار: اغتيال الرئيس جوفينيل مويس عام 2021، السيطرة المتزايدة للعصابات المسلحة على العاصمة، غياب الحكم المنتخب، وانهيار البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك الطرق، والجامعات، وحتى رموز البلاد الثقافية.

عندما تُحرق الذاكرة

الفندق، بحسب المهندس المعماري والخبير في التراث دانييل إيلي، لم يكن فقط قطعة معمارية فريدة، بل “مساحة نادرة حاول فيها عالمان أن يلتقيا”. مسرحٌ تداخلت فيه الأساطير والفن والسياسة والروح الشعبية. واليوم، لم يتبقَ سوى رماد.

حرق “أولوفسون” هو جزء من سلسلة خسارات ثقافية شهدتها هايتي في السنوات الأخيرة. ووفق إيلي، فإن الفنادق والبيوت من طراز الزنجبيل التي نجت من زلزال 2010 – بفضل مرونتها الخشبية – لم تنجُ من الإهمال والعنف والتمدن الفوضوي. وحتى القليل المتبقي، يتعرض للإبادة.

من فودو إلى Vogue… ثم فراغ

في الستينيات والسبعينيات، كان الفندق يظهر على أغلفة مطبوعات السياحة الهايتية، وفي صفحات مجلة Vogue، حيث كانت تُصوَّر العارضات في حدائقه وسط ديكور استشراقي بامتياز، كما تروي المصوّرة الفرنسية شانتال رينيو.

 

لكن “العملاء الأخيرين كانوا العصابات”، كما يقول ريتشارد موريس بمرارة من منفاه في ولاية ماين الأمريكية. لا يزال متمسكًا بأمل العودة، ولو فقط للوقوف في فناء الفندق الذي يعتبره “بيته”، رغم تحذيرات أصدقائه من خطورة ذلك.

الهدم الرمزي… وغياب العالم

بالنسبة للكثير من المثقفين، فإن إحراق “أولوفسون” يمثّل انهيار الذاكرة، وانقراض مساحة كانت توفّر الجسر بين العالمين المحلي والدولي، الشعبي والنخبوي. إنه ليس مجرد فندق احترق، بل مشهد لانطفاء روح كانت تنبض في قلب هايتي.

 

وفي وقت يتواصل فيه عدد القتلى من المدنيين – أكثر من 5,600 في عام 2024 وحده بحسب الأمم المتحدة – وتُهجّر أكثر من مليون أسرة، عبّرت رئيسة وزراء بربادوس، ميا موتلي، عن إحباطها خلال قمة قادة “الكاريكوم”: “إذا كنا لا نزال نشك بوجود مواطنين من الدرجة الثانية في العالم، فلا تشكوا بعد الآن… هايتي هي الدليل”.

ما حدث في “أولوفسون” ليس مجرد حريق. إنه تذكير صادم بأن هايتي لم تعد فقط ضحية أزمات سياسية وأمنية، بل أيضًا ضحية نسيان عالمي، وغياب ضمير دولي، وصمت طويل أمام موت معلن.

اقرأ أيضاً

فاجعه سنترال رمسيس تهز قطاع الاتصالات.. شهداء ومصابون في حادث اليم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى