ترامب يشعل حربا جمركية لإنقاذ بولسونارو.. لكن البرازيل تنتفض ضده وتتهمه بالخيانة
"ترامب يهدد البرازيل برسوم جمركية لإنقاذ بولسونارو: أزمة دبلوماسية وتجارية"

في لحظة سياسية صاخبة كشفت هشاشة التحالفات اليمينية عبر القارات، فجّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أزمة دبلوماسية وتجارية مدوية مع البرازيل بعد محاولته فرض ضغوط مباشرة على الحكومة البرازيلية لإسقاط التهم الجنائية عن حليفه القديم، الرئيس السابق جايير بولسونارو. ترامب، الذي لطالما اعتبر بولسونارو توأمه السياسي في أمريكا اللاتينية، لجأ إلى ما وصفه مراقبون بـ”الابتزاز الاقتصادي”، ملوحًا برسوم جمركية تصل إلى 50% على الواردات البرازيلية إذا لم تُسقَط التهم فورًا
“خطوة وقحة” هكذا وصف البرازيليون خطوة ترامب
الخطوة، التي وصفها البرازيليون بـ”الوقحة”، جاءت في وقت حساس داخليًا، حيث يواجه بولسونارو خطر السجن بعد اتهامه بمحاولة انقلاب فاشلة في أعقاب خسارته الانتخابات الرئاسية عام 2022. لكن حسابات ترامب لم تسر كما توقع؛ فبدلًا من أن تؤدي تهديداته إلى إنقاذ صديقه، تسببت في موجة غضب شعبي عارمة داخل البرازيل، وأعطت دفعة قوية لمنافسه اللدود، الرئيس الحالي لولا دا سيلفا، الذي عاد ليرتدي عباءة “المدافع عن السيادة الوطنية” ويحظى بتعاطف الرأي العام.
التدخل السياسي من محاولة إنقاذ إلى كارثة
هكذا تحوّل التدخل الأميركي من محاولة “إنقاذ سياسي” إلى “كارثة سياسية”، تعمّق عزل بولسونارو، وتُظهر ترامب مجددًا في صورة المتعجرف الإمبريالي الذي لا يتردد في سحق حلفائه إذا اقتضت مصلحته.
تحرك ترامب… بين المصلحة الشخصية والانحياز الأيديولوجي
في 9 يوليو، وجّه الرئيس الأميركي رسالة مباشرة إلى نظيره البرازيلي لولا دا سيلفا، يطالبه فيها بإسقاط التهم عن بولسونارو، مهددًا في الوقت نفسه بفرض رسوم جمركية عقابية بنسبة 50% على المنتجات البرازيلية. ووصف ترامب ملاحقة بولسونارو بأنها “حملة اضطهاد سياسية” و”مطاردة ساحرات” يجب أن تنتهي فورًا. الرسالة أثارت صدمة في الأوساط السياسية والإعلامية في البرازيل، إذ بدت وكأنها محاولة مكشوفة لتدخل خارجي في القضاء البرازيلي، من قبل رئيس قوة عظمى، لصالح صديق شخصي.
هذا التحرك امتدادا لمحاولات ترامب لتوسيع نفوذ اليمين
التحرك لم يكن مجرد مجاملة سياسية، بل عُدّ امتدادًا لمحاولات ترامب توسيع نفوذ اليمين المتطرف عالميًا، خاصة بعد قمة بريكس التي اتجهت نحو الصين. لكن اللافت أن تهديد ترامب لم يستند لأي مبررات تجارية، بل كان محمّلًا بالأجندة الشخصية والتكتيكات الانتخابية، ما زاد من عدائيته في نظر البرازيليين.
بولسونارو… “وطني” سابق يدفع بلده نحو العقوبات
المفارقة الصارخة تمثّلت في أن بولسونارو، الذي طالما قدّم نفسه كبطل قومي ومدافع عن “السيادة البرازيلية”، بدا وكأنه شريك مباشر في التحريض على فرض عقوبات اقتصادية على بلده. تصريحات نجله السيناتور فلافيو بولسونارو، الذي دعا لولا للرضوخ والصفح عن والده لتفادي “قنبلتين ذريتين”، فُهمت محليًا على أنها تعبير فجّ عن استعداد العائلة للتضحية بمصالح الشعب مقابل إنقاذ زعيمهم.
صحف كبرى مثل “إستاداو” وصفت سلوك عائلة بولسونارو بأنه خيانة وطنية صريحة، ودعت اليمين المحافظ إلى اتخاذ موقف: “إما البرازيل أو بولسونارو، لا يمكن الجمع بينهما”، وهو ما يعكس تحوّلًا جذريًا في خطاب النخبة اليمينية التي بدأت تنأى بنفسها عن إرث الرئيس السابق.
الشارع البرازيلي يرد بـ”السخرية والنار”
ردود الفعل الشعبية جاءت غاضبة ومشحونة بالسخرية. في ساو باولو، تظاهر آلاف البرازيليين تحت متحف ماسب، وأشعلوا النار في دمية تمثل ترامب وسط لافتات تندد بتدخله، من بينها واحدة تقول: “محاولة فاشلة يا ترامب.. نحن لا نخاف”. ووثقت المعلمة سيلفانا ماركيز، البالغة من العمر 51 عامًا، مشاركتها بصورة على إنستغرام كتبت تحتها: “البرتقالة الوسخة”، في إشارة ساخرة إلى ترامب.
مثل هذه المشاهد تؤكد أن الرأي العام لم يعد مستعدًا لتحمّل أي شكل من أشكال الوصاية الأميركية، حتى لو جاءت في صورة دعم لـ”ابن الوطن”، خاصة حين يرتبط الدعم بعقوبات اقتصادية تطال قطاعات حيوية مثل القهوة والبرتقال والطائرات.
لولا يعود.. أقوى مما كان
في لحظة بدت فيها شعبية الرئيس لولا دا سيلفا في تراجع، جاءت هدية سياسية غير متوقعة من ترامب نفسه. فبعد أيام من إعلان الرسوم الأميركية، قفزت نسب تأييد لولا، وعاد ليظهر في صور رسمية وهو يرتدي قبعة كُتب عليها: “البرازيل للبرازيليين”. هذا المظهر “القومي التقدمي” لاقى صدى واسعًا في أوساط الشعب، حتى من خارج أنصاره التقليديين.
محللون يرون أن هذا التصعيد الأميركي منح لولا فرصة ثمينة ليتقمص دور المدافع عن الاقتصاد الوطني في مواجهة الإمبريالية الجديدة، وهو دور يجد له أرضًا خصبة في الذاكرة السياسية البرازيلية، التي ما تزال تحتفظ بمرارة التدخلات الأميركية في فترات الديكتاتورية والانقلابات.
الصحافة اليمينية تنقلب على بولسونارو
من اللافت أن الهجوم لم يقتصر على اليسار البرازيلي، بل امتد إلى وسائل إعلام محسوبة على اليمين، مثل صحيفة “إستاداو”، التي نشرت افتتاحية لاذعة وصفت فيها بولسونارو بأنه “وطني زائف”. كذلك كتبت الصحفية المخضرمة إلياني كانتانييدي أن ترامب تحرك بدوافع شخصية، منها إرضاء نجل بولسونارو المقيم في واشنطن، والرد على تحركات الصين في المنطقة، ودعم اليمين الشعبوي في القارة.
ورأت أن التصعيد الأميركي أتى بنتائج عكسية، فهو يعيد لولا إلى الواجهة، ويحرج التيار المحافظ، ويدفع دول أمريكا الجنوبية أكثر نحو بكين. وأضافت: “ترامب يدفع العالم بأسره إلى أحضان الصين”.
بكين تبتسم.. وواشنطن تخسر
اللاعب الذي لم يظهر كثيرًا في العلن، لكنه يربح في الكواليس، هو الصين. فبينما تنشغل واشنطن بفرض عقوبات على البرازيل، تنشط بكين في تعزيز شراكاتها التجارية مع أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، وهو ما سيزيد من نفوذها في المنطقة على حساب الولايات المتحدة.
وبحسب مراقبين، فإن السياسات الفوضوية لترامب تمنح الصين فرصًا استراتيجية ذهبية لتوطيد علاقاتها مع أنظمة تفضل الشراكة الاقتصادية دون “شروط سياسية”، كما هو الحال مع لولا.
تأثيرات انتخابية على المدى القريب
يرى نيكولاس سالدياس، المحلل في وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجلة الإيكونوميست، أن هذا التصعيد الأميركي سيكون بمثابة “صدمة إيجابية” لحملة لولا الانتخابية، لأنه يعيد تشكيل صورته كمدافع عن السيادة الوطنية، حتى بين الناخبين المتأرجحين. ويشير إلى تجارب سابقة، مثل تهديد ترامب بضم كندا، والتي ساهمت في فوز الليبراليين هناك.
ويعتقد سالدياس أن الرسوم الأميركية سيكون لها نفس التأثير في البرازيل، على الأقل على المدى القصير، لأن “الشعب يحب من يتحدّى القوى الأجنبية دفاعًا عن المصالح المحلية”.
عائلة بولسونارو.. من رموز الوطنية إلى “خونة البلد”
ربما أكبر خسارة سياسية لحقت من هذه الأزمة كانت لعائلة بولسونارو نفسها. فبعد سنوات من رفع علم البرازيل في كل خطاب، أُسقط القناع عن ازدواجية خطابهم، وظهروا أمام الناس كمن يستدعي العقوبات الأجنبية لإنقاذ الذات.
أحد المقربين من العائلة قال لوكالة “رويترز” إن حماسهم المبدئي لتدخل ترامب تحوّل إلى قلق بعد إدراكهم لحجم الأضرار الاقتصادية المرتبطة بموقفهم. أما جايير بولسونارو نفسه، فحاول التملص قائلًا إنه يعارض الرسوم، ويلقي باللوم على استفزازات لولا، مؤكدًا أنه يمكنه حل الأمر إذا سُمح له بالتواصل مع ترامب.
لكن الشارع لم يعد يثق. المعلمة سيلفانا ماركيز لخصت مشاعر كثير من البرازيليين بقولها: “إنهم عائلة خونة.. هل حقًا سيدفع الأميركيون 50% زيادة على منتجاتنا لمجرد إنقاذ حصان متهالك؟”