العقوبات وحدها قد توقف المجزرة: نداء من قلب إسرائيل إلى حكومة بريطانيا
نداء من قلب إسرائيل إلى حكومة بريطانيا

في مقالٍ صادم وصريح نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، وجّه الأكاديمي الإسرائيلي المقيم في بريطانيا يائير وولاش نداءً قاسيًا لحكومة بلاده السابقة، وللحكومة البريطانية على حد سواء. وولاش، الذي نشأ في إسرائيل ويعيش حاليًا في المملكة المتحدة، لا يخفي ألمه وهو يطالب بفرض عقوبات قاسية على الدولة التي تربى فيها، لكنه يعتبر أن هذا هو الطريق الوحيد المتبقي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح المدنيين في غزة، وخصوصًا الأطفال الذين يعانون من المجاعة والانهيار الصحي الكامل.
وفي مقاله، يكشف وولاش كيف أن الإجراءات الرمزية والبيانات المنددة لم تعد تكفي، في ظل نظام إسرائيلي ماضٍ في تنفيذ خطة تطهير عرقي علنية، لا تخجل الحكومة من التصريح بها. ويؤكد أن الضغط الدولي، وخصوصًا من دول ذات علاقات اقتصادية عميقة بإسرائيل مثل بريطانيا، لم يُستخدم بعد كأداة حقيقية لوقف هذه الكارثة. فيما يلي أبرز النقاط التي تناولها المقال:
مساعدات محدودة لن توقف الكارثة الصحية
رغم سماح إسرائيل مؤخرًا بدخول كميات أكبر من المساعدات والمياه والكهرباء إلى غزة، فإن هذا التنازل لا يكفي لتدارك الكارثة. فمع تدمير شبه كامل للبنية التحتية الصحية، أصبح من المستحيل إنقاذ آلاف الأطفال الذين يعانون من سوء تغذية حاد قد يكون غير قابل للعلاج. ويعتبر وولاش أن هذا “الانفراجة “ ليست سوى هدنة مؤقتة في سياق سياسة مبرمجة لتجويع السكان.
خطاب واضح لحكومة متطرفة: التطهير العرقي هدف معلن
لم تعد تصريحات قادة الحكومة الإسرائيلية الحالية، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، تحتمل التأويل. فمفهوم “الهجرة الطوعية” الذي يردده المسؤولون الإسرائيليون لا يعني سوى التهجير القسري. يرى وولاش أن إسرائيل لن تتراجع عن هذا المسار طالما لم تواجه ضغطًا خارجيًا حقيقيًا، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
بريطانيا: تصريحات غاضبة دون إجراءات ملموسة
رغم استخدام لندن لتعبيرات قوية مثل “الذهول” و”الاشمئزاز” في وصف ما يجري، ورغم فرض عقوبات على وزراء مثل بن غفير وسموتريتش، إلا أن هذه الإجراءات تظل محدودة جدًا، مقارنة بقدرات دولة بحجم بريطانيا، العضو في مجموعة السبع وأحد أهم الشركاء الاقتصاديين لإسرائيل.
الاقتصاد الإسرائيلي ليس بمنأى عن الضغط الدولي
يشير الكاتب إلى أن إسرائيل ليست كوريا الشمالية، ولا يحكمها ديكتاتور معزول مثل بوتين. بل إن اقتصادها مندمج في الأسواق العالمية، وهي تعتمد على العلاقات الاقتصادية، والأكاديمية، والسياحية مع أوروبا وبريطانيا. ووفقًا له، فإن تعليق هذه العلاقات سيكون له تأثير فوري على قطاعات حيوية في الداخل الإسرائيلي، وهو ما سيجبر الحكومة على التراجع.
الغطاء الدولي بعد 7 أكتوبر: تفويض مفتوح للانتقام
يلفت وولاش إلى أن جريمة السابع من أكتوبر، ورغم فظاعتها، لم تبرر إطلاق يد إسرائيل بهذه الطريقة. فقد استخدمت الحكومات الغربية هذه الحادثة لتبرير كل ما تلاها من جرائم بحق المدنيين في غزة، متجاهلة حتى مذكرات التوقيف الدولية بحق نتنياهو، بتهمة استخدام الجوع كسلاح.
المجتمع الإسرائيلي منقسم… لكن بلا تأثير حقيقي
رغم خروج آلاف المتظاهرين في إسرائيل للمطالبة بوقف الحرب وإبرام صفقة لتحرير الرهائن، فإن الحراك لم ينجح في زعزعة الحكومة. السبب، كما يراه وولاش، يعود إلى تردد النخب الاقتصادية (لا سيما في قطاعي التمويل والتكنولوجيا) في المجاهرة بمعارضة الحكومة، رغم أنهم يعارضونها سرًا.
الأداء الاقتصادي غير المتوقّع يطيل أمد الحرب
ورغم الحرب، سجّل الاقتصاد الإسرائيلي مؤشرات مفاجئة على الصمود، بل والازدهار في بعض القطاعات. فقد ارتفع مؤشر البورصة بنسبة 30% منذ يوليو 2024، ويُتوقّع أن يبلغ النمو الاقتصادي 4.6% في 2026. وتواصل إسرائيل تصدير الأسلحة بوتيرة متسارعة، وتحتل المرتبة الثانية بين موردي السلاح لبريطانيا.
الإسرائيليون في أوروبا يدعون للعقوبات
يروي الكاتب كيف أن مئات الإسرائيليين في أوروبا، ومنهم مجموعته “مي-نيغد”، بدأوا بالضغط على الحكومات الأوروبية لتجاوز العقوبات الرمزية وفرض حظر اقتصادي فعلي، يشمل تعليق الاتفاقيات التجارية والعسكرية مع إسرائيل. وقد تم بالفعل طرح مقترحات في الاتحاد الأوروبي لتعليق بنود من اتفاق الشراكة مع إسرائيل.
ما تبقى من المجتمع المدني الإسرائيلي ما زال يستجيب
يعتقد وولاش أن الطبقة الوسطى والعليا في إسرائيل ما زالت حساسة تجاه الضغوط الخارجية، وأن المجتمع المدني لديه قدرة على التحرك رغم القمع. ولكن هذه النافذة تضيق بسرعة، إذ تتسارع إجراءات الحكومة لفرض مزيد من السيطرة على الإعلام والقضاء، ويخشى كثيرون من أن الانتخابات المقبلة لن تكون نزيهة. لذلك، فإن الوقت المتبقي لتأثير العقوبات بدأ ينفد.
خاتمة
يدعو يائير وولاش حكومات أوروبا وبريطانيا إلى اتخاذ خطوة جريئة ومؤلمة، لكنها ضرورية. فالصمت لم يعد خيارًا، والمواقف الرمزية لم تعد تجدي. إن فشل المجتمع الدولي في التحرك الحاسم الآن، سيجعل من الكارثة أمرًا واقعًا يصعب التراجع عنه لاحقًا. الوقت للتحرك هو الآن.