الاقتصاد

الصين تواصل تشديد قبضتها على المعادن النادرة رغم التقارب الدبلوماسي الأميركي

القيود الصينية على تصدير المعادن تؤجج التوترات التجارية وتُهدد الصناعات العالمية

 

على الرغم من الاتصال الهاتفي الودي الذي جرى بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، فإن بكين لا تُظهر أي نية لتخفيف القيود التي فرضتها على تصدير المعادن الأرضية النادرة، وهي عناصر أساسية في صناعات استراتيجية كصناعة السيارات الكهربائية والطائرات المقاتلة والرقائق الإلكترونية. فبالنسبة للصين، لم تعد هذه المعادن سلعة تجارية فقط، بل تحوّلت إلى مسألة أمن قومي.

اتصال دبلوماسي دون تأثير حقيقي

أثار الاتصال بين الزعيمين، الذي جرى يوم الخميس، بعض التفاؤل بشأن احتمال حدوث انفراجة في النزاع التجاري المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، خاصة بعد التفاهم المؤقت الذي أُبرم في جنيف مؤخرًا. تبادل الرئيسان الدعوات الرسمية لزيارات متبادلة، واتفقا على عقد جولة جديدة من المحادثات على مستوى رفيع.

لكن رغم هذه الأجواء الإيجابية، لم يُسجل أي تقدم ملموس في الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها ملف المعادن النادرة. وبينما أشار ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” إلى أن “تعقيدات المعادن النادرة لم تعد محل نقاش”، تجاهلت الرواية الرسمية الصينية هذا الملف بالكامل.

الهيمنة الصينية على الإنتاج والتكرير

تسيطر الصين على نحو 70% من إنتاج المعادن الأرضية النادرة عالميًا، وتحتكر أكثر من 90% من عمليات تكريرها، وهي المرحلة الأساسية التي تحولها إلى مواد قابلة للاستخدام الصناعي.

ومنذ أبريل الماضي، فرضت الحكومة الصينية قيودًا مشددة على تصدير سبعة من هذه المعادن، منها التيربيوم والديسبروسيوم، رُبما كرد فعل غير معلن على الإجراءات الأميركية، مثل فرض الرسوم الجمركية. وتشير تقارير إلى أن هذه الإجراءات تُعد جزءًا من استراتيجية أوسع تسعى الصين من خلالها إلى تعزيز قبضتها على هذا القطاع الحيوي.

منظور أمني وليس اقتصادي

وفقًا للرؤية الصينية، فإن التشدد في تصدير المعادن النادرة لا يستهدف الولايات المتحدة أو أي دولة بعينها، بل ينبع من طبيعة هذه المواد ذات “الاستخدام المزدوج”، التي يمكن توظيفها في التطبيقات المدنية والعسكرية على حد سواء.

وقد شبّه بعض المسؤولين الصينيين هذه الإجراءات بتلك التي تتخذها واشنطن لمنع تصدير تكنولوجيا تصنيع الرقائق إلى الصين، مؤكدين أن للصين كامل الحق في حماية صناعاتها الاستراتيجية، خصوصًا بعد أن تجاهلتها الدول الغربية في العقود الماضية لأسباب بيئية.

الشركات الأميركية تواجه عراقيل تصديرية

أصبح لزامًا على الشركات الأميركية الراغبة في استيراد المعادن النادرة من الصين تقديم طلبات تصدير تمر بإجراءات تدقيق صارمة، تشمل أحيانًا التحقق من الجهة النهائية المستخدمة للمواد، حتى وإن كانت عمليات التسليم تمر عبر دول وسيطة مثل اليابان وكوريا الجنوبية.

ويرى بعض الخبراء أن الصين عمدت إلى “إيقاف مؤقت” لصادرات معينة، في إطار خطة تهدف إلى إعادة تنظيم قطاع المعادن داخليًا وزيادة الرقابة عليه.

القلق الأوروبي من شح الإمدادات

لم يقتصر الأثر على الولايات المتحدة فحسب، بل امتد ليشمل أوروبا أيضًا، حيث عبّر مفوض التجارة الأوروبي عن قلقه إزاء القيود الصينية، خلال لقائه بنظيره الصيني. وقد تسببت هذه القيود في تعطيل خطوط الإنتاج في بعض شركات تصنيع مكونات السيارات الأوروبية، نتيجة نقص الإمدادات.

ويؤكد محللون أن الصين بدأت باستخدام نظام الرقابة على الصادرات كوسيلة للضغط الجيوسياسي، على غرار ما تقوم به الولايات المتحدة فيما يتعلق بصادرات التكنولوجيا المتقدمة.

معركة الجيل القادم من الصناعات

تشير التقديرات إلى أن الصين تعتبر المعادن النادرة سلاحًا استراتيجيًا في المعركة التكنولوجية العالمية. هذه المعادن، وعددها 17، تدخل في صناعات متقدمة مثل تكنولوجيا الليزر، الرؤية الليلية، المحركات المغناطيسية، والبطاريات.

وعلى الرغم من أن هذه المعادن ليست نادرة من حيث التوفر الطبيعي، إلا أن عمليات تكريرها تنطوي على تحديات بيئية وتقنية معقدة، وهو ما أدى إلى تخلي الدول الغربية عن إنتاجها، وترك المجال مفتوحًا أمام الصين لتُهيمن عليه منذ التسعينيات.

محاولات أميركية لكسر الاحتكار

بدأت واشنطن منذ عام 2017 تنفيذ استراتيجيات تهدف إلى تأمين مصادر بديلة للمعادن النادرة، وخصصت وزارة الدفاع الأميركية مئات الملايين من الدولارات لدعم مشاريع محلية. ومع ذلك، فإن هذه الخطوات لا تزال متواضعة ولا يُتوقع أن تحقق استقلالًا فعليًا قبل 5 إلى 10 سنوات.

حتى في حال نجحت واشنطن في تأمين المعادن من أماكن مثل أوكرانيا أو غرينلاند، فإنها ستظل بحاجة إلى إرسالها إلى الصين من أجل معالجتها.

تشريعات وتقنيات لحماية الهيمنة الصينية

في نهاية عام 2023، أعلنت الصين حظر تصدير تقنيات معالجة المعادن النادرة وتحويلها إلى مغناطيسات، كما سنت قوانين تمنع استخدام هذه المواد في صناعة الأسلحة أو بيعها لشركات أجنبية خاضعة للعقوبات.

وفي مايو الماضي، شنت السلطات الصينية حملة أمنية ضد تهريب المعادن، وألزمت الشركات بتحديث بياناتها على منصة حكومية، مهددة بفرض “عقوبات صارمة” على أي تلاعب أو تقاعس في تقديم المعلومات.

خلاصة: الصين في موقع القيادة

أمام تزايد التوترات التجارية وتشابك المصالح الجيوسياسية، تواصل الصين استخدام سيطرتها على سلاسل إمداد المعادن النادرة كسلاح استراتيجي مؤثر، لا يقل أهمية عن التكنولوجيا المتقدمة أو الأسلحة. وبينما تسعى واشنطن وبروكسل إلى فك الارتباط عن الاعتماد على بكين، يبدو أن هذا الطريق طويل ومعقد، في حين تواصل الصين تعزيز نفوذها على مفاتيح المستقبل الصناعي العالمي.

 

علياء حسن

علياء حسن صحفية مصرية تحت التدريب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى